صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أوردو التركية..قصيدة المآذن والتلال والقلوب والشواطئ العذبة

0

بقلم حمزة العكايلة

في أوردو النجوم تتدلى لتعانق السحب

وهدير البحر يغني مع عاشق تخفى

عن صياد يقارع الموج وذكريات عابرة

وحدها أوردو تسافر مع القمر

وتدور الدنيا فلا شيء يشبهها

في أوردو عجوز يتكئ على بلوطة هرمة

ويبتسم مع المارين في شوارع المدينة

ثم يلقي عليهم بحبات من البندق

وتضحك عيناه

فيشعر الغرباء بالطمأنينة

في أوردو عجوز تطارد أبقارها

ثم تحنو عليك بقليل من الكستناء

وخطوط كفيها منقوشتان بالتعب والحب

ومآذن تسكنها عصافير تغرد وتبكي وتصلي

يحرسها الشاطئ والبيت في أعالي السماء.

في المدينة التي يحلو للوالي أن يسميها «قطعة من الجنة»، تأخذك نسياً منسيا مشاهد عناق السحب لأعالي الجبال التي تحرس قباب المآذن أو غصن البندق إذ يتدلى عالقاً في قميص زائر مثلي ليخبره أن أوردو كلها ترحب به من ترابها وبحرها وناسها وأسواقها وجبالها ومقاهيها وحتى عصافيرها الصغيرة.

إن الدخول إلى ولاية أوردو التركية بدءاً من مطارها المقام على البحر، ومروراً بالشارع العام المحاط بغابات البندق والمباني التراثية القديمة، يأسر الزائر ويشعر المرئ أن القادم أجمل دون شك، وفعلاً منذ أن وعدنا الصديق ربيع الصعوب بأن كل منطقة في أوردو أجمل من الأخرى، تيقنت أن ربيع أصبح أكثر دقة وأن عيناه لا تخونانه أبداً.

تجاور المدينة باتساع سواحلها على البحر الأسود كلاً من جورجيا وروسيا، وهي في تاريخها استوطنها الإنسان منذ 3 آلاف سنة قبل الميلاد، ويروي بعض سكان المدينة ومؤرخيها أن أوردو تعني «معسكر الجيش» وتحظى بألقاب عدة كمدينة الأكسجين، وقطعة الجنة، أو قلب الشمال.

الكل في أوردو من الوالي إلى أصغر طفل فيها، معني براحة زوارها، ومنهم راشد الذي رافقنا طيلة أيام الرحلة، كان خفيف الظل، وسيماً لطيفاً صادق المشاعر، ويتحدثنا معنا العربية بمستوى متقدم وسلس، ولو كان بمقدوره أن يشرح لنا عن كل شجرة وعصفورة وقطرة ماء في أوردو، لما وفر ذلك.

الناس في القرى طيبون وكذلك في المدينة، سمة الهدوء تغلب على الطابع العام، العمل والكد يتصف به الغالبية، إذ قلما تجد شخصاً في إوردو إلا ولديه ما يقوم به.

ولدى السؤال الأهم لدى الناس عن الأسعار، فإنها مناسبة إلى حد كبر لجميع الفئات، ويمكن القول إنها أرخص بكثير مما توقعنا، فزيارة أوردو لا تختلف كثيراً عن زيارة اسطنبول أو من جاراتها في الولايات الشمالية، بل على العكس سيكون المصروف أقل.

ومن المميز في «أوردو» سهولة وإمكانية الإستثمار فيها، نظرا لزهد أسعارها، ووسعة مساحتها الخضراء، حيث تمتلك «أوردو» قممًا جبلية قلّ أن تراها في غيرها من المدن، والبيوت على قمم هذه الجبال يتم بيعها بأسعار زهيدة. كما أن الولاية تمتلك جبالًا وسهولًا تمتد من أقصىاها لأقصاها، وهي مغطاة بثوب أخضر نسجته أشجار الصنوبر والبندق والكستناء.

يحدثنا الصديق فراس محافظة وهو أحد الأردنيين العاملين في تركيا في مجال الإعلام والسياحة أن كمية الأمطار الهائلة التي تتساقط صيفاً وشتاءً في أوردو جعلتها تفيض بشتى مصادر المياه الجوفية والسطحية فهي تشتهر بأنهارها الكثيرة وشلالاتها المرتفعة مثل شلالات «كادينجي» وشلالات «تشيسلي» التي تعد مقصدا سياحياً ترفيهياً لأهالي المنطقة والزوار الأتراك والأجانب، وفي هذه الأنهار تعيش مختلف أنواع الحياة المائية من سمك السلمون المرقط الأحمر وغيرها من أنواع الأسماك.

وعن سهول وتلال أوردو فهنالك الكثير من الوصف، ومنها سهول ومراعي «تشارشامبا» التي تعتبر الأغنى والأجمل بأنهارها المتعرجة وبحيراتها الكثيرة التي جعلت المنطقة من أغنى مناطق تركيا في تربية المواشي وإنتاج مشتقات الحليب والألبان .وعلى بعد عشرات الكيلومترات من هذه المراعي وصعوداً إلى قمة إحدى المرتفاعت المعروفة في أوردو تقع بحيرة «أولو غول» على ارتفاع 1200 متر عن سطح البحر، ورغم تجمد مناطق كثيرة من البحيرة في فصل الشتاء إلا أن قلب البحيرة يبقى نابضاً بالحياة المائية نظراً لوجود ينابيع مياه ساخنة تحافظ على درجة حرارة معتدلة تضمن استمرار الحياة المائية فيها، وتعتبر البحيرة مقصداً للسياح العرب القادمين من دول الخليج في فصل الصيف وتنتشر حول البحيرة فنادق بسيطة من طراز البيوت الخشبية القديمة بعيداً عن البناء الإسمنتي.

ولعل ما أضفى جمالاً على المكان، معرفتنا بنوارس من أبناء بلدنا، قصدوا تلك الأرض للعمل، ومنهم همام القرارعة، كم كنت في قمة الصدق وأن أعبر عن مشاعري تجاهه، بخاصة حين كان يتصرف ببراءة إذا ما باغته كلب أو حصان في قرى أوردو، فسرعان ما كان يهرب محركاً قدميه فقط، راكضاً يعدو دون أن يحرك أي من أجزاء جسده العلوي.فقط قدماه تتحركان مثل راقص بليه.لكن همام هذا طيب.وفي عينه من سحر أوردو واتساع غاباتها الكثير من قصص الغربة والدراسة والكد والتعب والجد.

التجوال بين غابات أوردو يحلو أيضاً برفقة صديقنا اللطيف السوري عبد القادر والمصري عبد الباسط رمانة الميزان، ولا أستثني أحداً ممن رافقونا في الجولة من الزملاء الصحفيين العرب، فقد كانوا بحق خير سفراء لبلدهم.

لا أبالغ إن قلت بأن أوردو هي المكان الأمثل للباحثين عن سحر الطبيعة والسكينة الهدوء، فجمال الطبيعة كله يجتمع هناك، لذا أصبحت ملاذا لكل من يرغب في قضاء أجمل الأوقات بين أحضان الطبيعة بكل تفاصيلها، والاستمتاع بالطقس الدافئ، والأجواء الشتوية الدافئة، والمناظر الخلابة.

وعلى شواطئها الممتدة على سواحل البحر الأطلسي حكايات وحكايات للعشاق والصيادين، فهي تمتلك شاطئًا رمليًا يعد من أنظف الشواطئ، وأطولها في منطقة شرق البحر الأسود، إضافة إلى وجود السواحل والشلالات والأنهار التي تسير هادئة بين جبالها.

وحين تستيقظ على صوت الموج، ويمتد بصرك إلى القرى المحيطة بالمدينة، يأسرك نهم صياد، غادرته عيناك في المساء، لتستيقظ عليه في ساعات الفجر الأولى، بانتظار طلوع الشمس، ليتنفس مع الصبح، نسيم أوردو العليل.

أما شلالات أوردو الـ 100 فحدث عنها ولا حرج، أولها جيسالي التي تقع وسط غابات بلدة أيباستي، تشتهر ببرودة وعذوبة مياهها، وتجذب عددًا كبيرًا من السياح سنويًا، وكذلك شلالات «قدينجيك» التي تبعد عن مركز المدينة بنحو 20 كليومترا، وكذلك شلال «أوهداميس».

وإلى جانب الشلالات، تشتهر المنطقة ببحيراتها وبجداولها الكثيرة التي تتسلل بين الجبال، وبمياهها النقية الصالحة للشرب، وللسباحة، ولممارسة رياضة القوارب.

وأخيراً ربما إن واحدة من أهم ميزات أوردو أن الوصول إليها بات أسهل وأسرع بكثير، بعد أن تم تدشين أول مطار من نوعه في تركيا، والثالث من نوعه على مستوى العالم، وهو مطار «أوردو – غيرسون»، الذي شيد داخل البحر على جزيرة اصطناعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.