صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الـــــذاكــــرة الكـــســـولـــــة

 

لدى العودة للوراء عشرة سنوات أو أكثر والمقارنة بين كم المعلومات التي كان يخزّنها أي شخص ومقارنتها بالمعلومات التي يخزنها شخص آخر هذه الأيام، نجدُ تبايُناً كبيراً في الكَم ، فَسابقاً كُنّا مُضطرين لحفظ كم كبير من المعلومات لاجتياز الاختبارات ، وكم كبير من الطّرُق للاستدلال على العناوين ، وكَم كبير من الأسماء وأبيات الشّعر والمعلومات التّاريخيّة والجُغرافيا واللّغات ناهيكَ عن إجبارية إتقان العشرات من العمليّات الرياضية المُعقّدة .

أما الآن فبإمكان الشخص استبدال كل ما سَبق ( بكــبــسَة زر ) كما يُقال على جهاز أي منّا النقّال ليجد كل هذه المعلومات مُلكاً له وبين يديه ، وكذلك فبإمكان الآلة الحاسبة وبعض البرمجيات حلّ أصعب المَسائل الرياضيّة مهما كان نوعها أو شكلها فلم تعد هُناك الحاجة لِحفظ كَم كَبير من المعلومات لأنّها موجودة على مُحرّك معين ، ولَم تَعُد هُناك الحاجة لحفظ الطُرق أو للاتصال عشرات المُكالمات
للاستدلال على عُنوانٍ ما !
لإنّه بإمْكان أيّ شخص الوصول لأيّ مكان بالعالم مُستخدِماً التطبيق المختص (Google Maps )
ونتيجة للذَكاء الإصطناعي وتطبيقاته التي تتّطور في كل جُزء من الثانية برَز لدينا مُصطَلح أُطلِقُ عليه
( الــذاكــــرة الــكـــســولة ) لأن مُعظمنا أصبح يميل لاستخدام التطبيقات الذكيّة والتي تُجيب على مُعظم ما يَخطرُ ببالنا من استفسارات وأمثلة وبالتالي أصبحنا لا نميل لتخزين أيّة معلومة بل ويذهب الكثيرون إلى عدم تعلُّم العديد من المهارات لأنّها موجودة في الانترنت ويستطيع استدعائها في أيّ لحظة وبالتّالي فهو غير مُضطر لحفظها .
وكذلك العمليّات الحِسابيّة التي أصبح لا يميل إلى تعلُّمِها لأنه يستطيع باستخدام التطبيقات الذكيّة إيجاد حلول لها وبسرعة فائقة .

وفي هذه المرحلة لابُدَّ أنّ تطرح التّساؤُل التالي : هل ما نقوم به صحيح ؟! وهل الميل لعدم استخدام الذّاكِرة بشكل شِبه كُلّي صحيح ؟! وما هو مَصير الأجيال القادِمة التي تستخدم التطبيقات فقط ، هذه الأجيال صاحِبة الذّاكِرة الكسولة ؟!

وإلى أين سيصل بِنا الأمر ؟! فبعد عِدة سنوات مِنَ المَيل لاستخدام الذّاكِرة الكَسولة التي لا تحْتَفِظ بالمعلومات – شِبه كُلياً – أين سنكون ؟!

وهل يَجِب تعديل المَناهِج الدراسيّة لِتُواكِب هذا التّطور وتواجه هذا الهروب من المعرفة بما يحفظ لنا بعض المَفاهيم والأُسُس وتَرسيخها في عُقول الطّلبة ؟!

في زيارة لي قبل شهر لإحدى الدُوَل المُتطوّرة جداً تخيّلتُ لَو أنّ الانترنت ينقَطِع فجأة ، ما الذي سيحدث؟
فستتَعَطّل كل المُعاملات الماليّة وكل إشارات المُرور الذكيّة ولن يستَدِلّ أحدُهم على موقِع بيتِه كونه يَعتمِد على
وستتعطّل كافّة معالِم الحَياة الصناعيّة ، وسيكون هناك فِئة تُمثّل الغالبية ( google maps )
من الأشخاص غَير المُثَقّفين الذين لا يُتقِنون سِوى فَن استعمال واستهلاك التِكنُولوجيا بمُتَغيّراتِها وموجوداتِها.
إذاً ستتعطل الحياة ال( modern) بأكملها!

أعتقد أنّ موضوع – الذّاكــــرة الـــكَـــســـولــة – الذي تسعى الشّركات الكُبرى لتعميق مفهومه ونشره لدى النّاشئة وتسعى أيضاً لتسخيف أي فكر آخر ، لتزيد من مبيعاتِها وأرباحِها .
وأكاد أجزم بأن موضوع الذاكرة الكسولة من الأهميّة بمكان لتُقام عليه الأبحاث والدّراسات إذا كُنّا نهتم بالأجيال القادمة وما سيؤُول إليه مَصير أُمّتنا .
فالأمم المنتجة تسلك طريقاً مختلفاً.

 

التعليقات مغلقة.