صحيفة الكترونية اردنية شاملة

معركة الموصل: المدنيون والخيار المستحيل

0

لعله من شبه المؤكد حالياً أن هجوم الجيش العراقي لاستعادة السيطرة على مدينة الموصل في شمال البلاد من أيدي تنظيم «داعش»، يهدد بحدوث أزمة إنسانية واسعة النطاق، قد يصاحبها خطر التطهير الطائفي، فهناك آلاف المدنيين ممزقون بين البقاء في منطقة بها ألغام أو المرور بميليشيات شيعية مدعومة من إيران في غرب المدينة قد تعرقل بلوغهم بر الأمان وربما يتعرضون على أيديها لأعمال تنكيل وممارسات بالغة القسوة.

والحملة التي تشنها قوات الجيش والأمن العراقية لطرد «داعش» من الموصل، تمثل مرحلة حاسمة في الحرب المستمرة منذ عامين ضد التنظيم الإرهابي. وهي حملة تدعمها قوة جوية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وفرق من قوات العمليات الخاصة الأميركية أيضاً، لكن مع احتدام المعركة تتركز كل الأعين على مصير سكان ثاني أكبر مدن العراق، وهم من المدنيين الذين عانوا بالفعل طيلة أكثر من عامين تحت العسف والاضطهاد على أيدي «داعش».

وحتى قبل إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الأسبوع الماضي، عن انطلاق العمليات العسكرية، عرّضت آلاف الأسر العراقية نفسها لخطر المرور بحقول الألغام وراوغت نقاط تفتيش «داعش»، في محاولة للفرار إلى الأراضي الكردية جنوبي شرق المدينة، وذلك قبل الهجوم المتوقع منذ عدة أشهر من جانب الجيش العراقي، وتحاول كل من «داعش» والحكومة العراقية في بغداد، وبكل السبل الممكنة، استمالة السكان المدنيين في الموصل. وذكرت تقارير من داخل المدينة أن مقاتلي «داعش» يجمعون عدداً من المدنيين ليتخذونهم دروعاً بشرية، بينما يقتلون من يشتبهون في أن لهم اتصالاً بالعالم الخارجي أو من يتم ضبطهم أثناء محاولتهم مغادرة المدينة. وفي الوقت نفسه، أسقطت الطائرات الأميركية من طراز «بي-52» منشورات على المدينة، وذلك لعدة أيام، تطلب من السكان البقاء في منازلهم حين يدخل الجيش العراقي المدينة، والابتعاد عن مواقع «داعش» ونقاط تمركزه.

وحذّر مسؤولون من الأمم المتحدة من احتمال أن يصبح نحو 1.5 مليون شخص في الموصل عرضةً لإطلاق النار، أو أن يتم إجبارهم على الطرد أو يُستخدموا كدروع بشرية في القتال، ويعتقد «آلون مكدونالد»، المتحدث باسم منظمة «أنقذوا الأطفال»، أن اللاجئين «يواجهون خياراً مستحيلاً، فإذا حاولوا الفرار من المدينة، فإن القناصين والألغام تنتظرهم وهذا خطير للغاية.. وإذا مكثوا فإنهم عرضة لأن يقعوا وسط إطلاق النار والقصف».

وقد اكتسبت الحملة العسكرية للاستيلاء على الموصل زخماً يوم الخميس الماضي بعد أن شنت القوات الخاصة العراقية وقوات البشمركة الكردية عمليات على جبهة جديدة إلى الشمال والشرق من المدينة، لتصبح هذه القوات على مقربة أميال من تخوم المدينة، وتمثل العملية المشتركة أشد العمليات تنسيقاً بين بغداد والقوات الكردية حتى الآن.

وحتى مع انتشار القتال، يشق بعض المدنيين في الموصل والقرى المجاورة لها طريقهم نحو الفرار، رغم الأخطار الكثيرة والمتشعبة. وذكرت منظمة الهجرة الدولية أنه منذ يوم الاثنين من الأسبوع الماضي فرَّ أكثر من 5500 شخص من مناطق القتال. وفي مخيم «ديبكة»، بالقرب من منطقة مخمور في شمال العراق، تكدس أكثر من 27 ألف نازح عراقي، ووصل 600 شخص آخرين يوم الأربعاء الماضي. وفر آلاف آخرون إلى منطقة شمال شرق سوريا التي تمزقها الحروب في الأيام القليلة الماضية، وفي «ديبكة» يقيم مدنيون في صفوف طويلة وممتدة من الخيام والمساكن التي بنيت من مواد جاهزة التصنيع، لكن بعض الوافدين الجدد يقيمون فيما كان ذات يوم مدرسة لهذا المخيم. وتنام أُسر على أفروشاتها وسط ممرات تحيط بها القمامة في كل مكان. وفي جانب آخر من المشهد، وقف طابور طويل من النازحين ينتظرون الحصول على حصة من طعام الإغاثة الإنسانية في ساحة وسط المخيم. وصرح أحمد عبده، مدير مخيم ديبكة، أن هذا المخيم مزدحم بالنازحين وبما يفوق طاقته الاستيعابية بكثير، وأنهم يتوقعون وصول المزيد والمزيد من النازحين الفارين من مناطق القتال. ويصل إلى مخيم ديبكة يومياً ما يزيد في المتوسط عن 150 أسرة.

وتقيم منظمات الإغاثة الإنسانية مخيماً جديداً آخر في مكان قريب من ديبكة، لكنه على الأرجح لن يكون قادراً على إيواء أكثر من بضعة آلاف من النازحين.

ومن بين هؤلاء النازحين الجدد «رظلة علي» التي وصلت إلى ديبكة صباح يوم الأربعاء الماضي، بعد أن قطعت مسافة الرحلة ليلاً مع أطفالها الأربعة. فقد تسللوا بعد مغيب الشمس خارجين من قريتهم «حلاوة»، وتبعوا مجموعة من الفارين الآخرين طوال سبع ساعات متواصلة من السير على الأقدام عبر التلال والممرات المظلمة. وسردت «رظلة» جزءاً من قصتها قائلة: «حين رأينا سيارات (داعش) توارينا عن الأنظار.. وكانت هناك ألغام في الطريق وكنا نحاول تجنبها». وها هي «رظلة» هنا في مخيم ديبكة تتدثر بثوب أسود بسيط وتجلس على أرض مبتلة وتهدهد طفلتها الصغيرة، وقد بدت على محياها وأطفالها آثار الإرهاق الشديد. وتشبث اثنان آخران من صغار «رظلة» بساقيها. وأثناء ذلك ذكرت أن قوات الأمن الكردية أخذت ابنها البالغ من العمر 15 عاماً لاستجوابه، شأنه شأن كل الرجال الذين وصلوا إلى الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد، إذ يتم استجواب جميع الذكور، لاحتمال وجود علاقات لهم أو احتمال تعاونهم مع تنظيم «داعش». وإلى جانب الأم، كان هناك متاع قليل في كيسين من البلاستيك، لعلهما كل ما استطاعت الأسرة حمله، وهو في الغالب قليل من ملابس ورضاعات الأطفال. والآن قد أصبح المخيم مأوى وبيتاً وحيداً لـ«رظلة» وأطفالها الصغار. إنهم يدخلون في عداد أكثر من 3.3 مليون شخص يعيشون حياة النزوح داخل بلدهم العراق. وهذا علاوة على وجود عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في مخيمات إيواء أخرى داخل منطقة كردستان العراق أيضاً. وهناك مليون شخص تقريباً يبحثون عن ملاذ آمن يأويهم في المناطق الكردية في شمال العراق، مما يمثل عبئاً ثقيلاً على الحكومة الكردية في الإقليم، وهي المتعطشة أصلاً للأموال بسبب انخفاض أسعار النفط وبسبب خلافات مالية ممتدة مع بغداد. ومن باب أولى فإن عدد اللاجئين يرهق كذلك منظمات الإغاثة الإنسانية التي تحاول الاستجابة للتطورات المأساوية الجارية في عدد من مناطق العراق.

لكن اللاجئين الذين يتطلعون للفرار من مدينة الموصل، ربما يواجهون خطراً جديداً آخر، فبغداد تعتزم إرسال ميليشياتها المسلحة المثيرة للجدل، «الحشد الشعبي» الشيعية، المدعومة من إيران، كي تثبت أقدامها غرب الموصل وفي نواحٍ أخرى من المدينة، وذلك أولاً بغرض سد طريق الفرار أمام مقاتلي «داعش» الذين يبتغون ملاذاً في سوريا، وثانياً من أجل انتزاع السيطرة على مدينة تلعفر من «داعش»، لكن نشر القوات قد تضع مشكلة قاتلة في طريق اللاجئين السنة الذين يسعون لتجنب القتال في جنوب وشرق المدينة وترهبهم سمعة الميليشيا الشيعية في انتهاكها لحقوق المدنيين السنة، والميليشيات الشيعية قوامها 20 ألف فرد وتعرف باسم وحدات «الحشد الشعبي»، وهناك وقائع جيدة التوثيق ترصد تاريخ هذه الميليشيا في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فمن الجدير بالذكر أنه أثناء القتال في الفلوجة هذا العام، خطفت هذه الميليشيات وقتلت عشرات الرجال السنة الفارين من القتال، ودفعت الانتقادات الدولية الحكومة التي يتزعمها الشيعة في بغداد أن تعد بألا تدخل الميليشيات مدينة الموصل التي غالبيتها من السنة.

ونأت وحدات الحشد الشعبي ومستشاروها من قوات القدس الإيرانية بنفسها عن القتال حول الموصل حتى الآن، لكن يوم الثلاثاء الماضي، تعهدت قيادتهم على فيسبوك أنهم يخططون لعمليتين. أولهما في تلعفر والثانية دعماً للقوات المتجهة إلى وسط الموصل، ويوم الأربعاء الماضي، أعلن الميجر جنرال جاري فوليسكي، قائد القوات البرية الأميركية في العراق في كلمة أمام الصحفيين في مقر وزارة الدفاع، أن المستشارين الأميركيين في العراق والقوات الجوية الأميركية لن تدعم ميليشيات ليست جزءاً من الحكومة العراقية ومؤلفة من «جماعات متعددة بعضها تعتبر جماعات إرهابية».

لكن هذه الميليشيات تستعد لأن تعترض مباشرة طريق آلاف المدنيين الذين يتوجون إلى مخيم الهول في شمال شرق سوريا، ووصل بالفعل نحو خمسة آلاف شخص إلى المخيم قادمين من الموصل بعد عبور الأراضي التي تسيطر عليها «داعش» في الآونة الأخيرة، وهناك نحو ألف شخص آخرين ينتظرون على الحدود للعبور وفقاً لما ذكرته منظمة أنقذوا الأطفال، ونبهت الأمم المتحدة إلى احتمال وصول نحو 100 ألف نازح إلى سوريا قادمين من منطقة الموصل. ووصف عاملون من منظمة «أنقذوا الأطفال» زاروا مخيم الهول، الوضع البائس هناك حيث تضطر الأسر إلى العيش وسط أكوام القمامة والنفايات البشرية، مما يعزز فرص تفشي الأمراض، ولا يوجد في المخيم إلا 16 مرحاضاً فقط يستخدمه تسعة آلاف شخص جميعهم فارون من القتال في سوريا والعراق.

وحاولت الولايات المتحدة أن تستعد لما تتوقع أن يكون طوفاناً من اللاجئين عقب عملية تحرير الموصل. وخلال الشهر الماضي أعلنت واشنطن أنها ستقدم أكثر من 181 مليون دولار في صورة مساعدات إنسانية إضافية، لمساعدة جماعات الإغاثة والسلطات العراقية، في استباق لعملية عسكرية مرتقبة في الموصل. وذكر مسؤول من وزارة الخارجية الأميركية ساهم في الإشراف على مساعي المساعدات الإنسانية، أن «جانباً مما يجعل هذه الاستجابة صعبة للغاية أنه مجتمع معزول للغاية وليس لدينا إلا معرفة محدودة بما تبدو عليه الظروف في المدينة». وذكر المسؤول الذي اشترط عدم ذكر اسمه، أنه كان من الصعب على وكالات الإغاثة أن تستعد لاستعادة السيطرة على الفلوجة في يونيو، بينما كانت تعلم أن «ثمانية آلاف شخص سينزحون». وذكر المسؤول أن وكالات الإغاثة الدولية لا تعرف بشكل دقيق عدد الناس الذين ما زالوا يعيشون في الموصل ولا عدد الذين سيقررون الفرار ولا الاتجاه الذي سيسلكونه.

وفي مخيم ديبكة، أكدت رظلة، النازحة من الموصل، على أن فراراها وتعريض نفسها للضرب وللقناصة والألغام في سبيل الفرار من قريتها لم يتعلق فحسب بتهديد الضربات الجوية والمعركة التي تلوح في الأفق بين «داعش» والقوات العراقية، بل قالت المرأة وهي تهدهد طفلتها البالغة من العمر خمسة أشهر، والتي تعاني من نقص في الوزن «ليس لديَّ لبن لأطعمها.. ليس لديَّ ما يكفي من طعام وبالتالي لا أنتج اللبن لأغذيها». وقالت امرأة أخرى بالقرب منها وتمسك بطفلتها، «إنها لم تأكل منذ أربعة أيام».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.