صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الأزمة الليبية: الأسباب والمسؤولية

0

لفهم المأزق الليبي الراهن، من الضروري الرجوع إلى التقرير الذي أعده البرلمان البريطاني (صدر في الشهر الماضي) حول ملابسات وظروف التدخل العسكري الغربي عام 2011 وما تلاه من سقوط نظام العقيد القذافي. لقد كشف التقرير عن حقائق أربع أساسية هي:

– أن المسؤولين البريطانيين (ومعهم الفرنسيون) لم يكن لديهم اطلاع دقيق على الأوضاع الليبية الداخلية، وكان جل معلوماتهم من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الفضائي.

– لم يستند قرار التدخل العسكري إلى مسوغات كافية ولم تعطَ فرصة للعمل الدبلوماسي والسياسي، بل إن قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي بُني على أساسه التدخل العسكري استند إلى معلومات مغلوطة، فلم يكن من الصحيح أن جيش القذافي المنهار كان في وضع هجومي يهدد سكان مدينة بنغازي بالإبادة.

– كل التقديرات المخابراتية الأميركية ذهبت إلى ضرورة تجنب خيار التدخل العسكري في ليبيا، ولذا كان قرار الحرب مبادرة فردية تتحمل مسؤوليتها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.

– عند سقوط القذافي، لم تكن بيد الدول الغربية أي خطة للتعامل مع الوضع الجديد، وكان اعتقادها بميكانيكية التحول الديمقراطي في ليبيا دليلًا على جهلها الكامل بواقع المجتمع الليبي. أما المجلس الانتقالي الذي عُهد إليه بإدارة الوضع في ليبيا فلم يكن له شرعية تمثيل الطيف السياسي الليبي بل تكوَّن أساساً من جمع من رجال الأعمال ومعارضة الخارج وبعض المثقفين المعزولين.

بعد أشهر قليلة من اختبار التجربة الانتخابية التعددية، ظهر من الجليّ أن الهياكل المؤسسية للدولة -التي كانت أصلًا هشة أيام جماهيرية القذافي- مشلولة وعاجزة عن احتواء الماكينة الديمقراطية التي تحولت إلى آلية لإعادة إخراج ميزان القوة بين الميليشيات القبلية المتصارعة على تركة الدولة ومواردها.

وفي هذا الباب، أذكر أنني قلت في حديث ملاطفة بعد سقوط القذافي مع أحد قادة الثورة الليبيين من الليبراليين باقتراح الرجوع إلى النموذج الملكي في ليبيا، معتبراً أن التركيبة المجتمعية الإقليمية في ليبيا لا يمكن أن تنسجم مع فكرة الجمهورية المركزية ونظامها السياسي التمثيلي، ولذا فإن غياب سلطة تحكيم رمزية عليا ينتج عنه بالضرورة تفتت الوحدة الوطنية الهشة التي ليس لها من المقومات الموضوعية سوى المصالح المشتركة المبنية على الريع النفطي.

وغنيٌّ عن البيان أن الدولة السنوسية أدت تاريخياً هذا الدور باعتبارها نابعة من عمق المجتمع الليبي في تركيبته القبلية الدينية، فلم تكن سلطة متغلبة بالقهر، بل استندت إلى شبكتها الصوفية النشطة التي ولدت مجالًا اقتصادياً واستراتيجياً مندمجاً ممتداً من وسط أفريقيا إلى الساحل المتوسطي، مركزه في العمق الصحراوي الشرقي حيث كانت تتركز مسالك التبادل التجاري قبل اكتشاف النفط عام 1959.

لم تكن ليبيا محظوظة باستعمارها الإيطالي الوحشي الذي دمر النخبة الأهلية ولم يكوّن نخبة سياسية حديثة (على غرار النخب التي قادت الاستقلال في بلدان شمال أفريقيا)، كما أن الانتداب الفرنسي- البريطاني بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية لم يستند إلى هندسة سياسية فعالة، فكانت تجربة ابتعاث الدولة السنوسية مرتجلة ومتعثرة.

ولسنا بحاجة إلى الرجوع لإرث القذافي الذي قوض بنظامه الجماهيري هياكل الدولة، وتبنى في أيديولوجيته الفوضوية قيم العشائرية، مستنداً في ماكينة الحكم الوحشية التي أرساها إلى معادلة القبلية تحت شعار الديمقراطية المباشرة ودولة الجماهير.

ما كشفت عنه التحولات التي عرفتها ليبيا بعد سقوط القذافي هو أن البديل عن الجيش القبلي الموحد (جيش القذافي) هو الميليشيات القبلية المسلحة في بلاد للقبائل الرئيسية فيها مجالات إقليمية تمكنها من التفرد، في حين تشكل المدن الكبرى (طرابلس وبنغازي وسبها) مسرح صدام للتحكم في الموارد النفطية (وموانئ تصديرها) باعتبارها هي محور أي مشروع سياسي وطني.

وفي حين لا يبدو أن المشاريع السياسية المدعومة غربياً في الحوار الوطني والائتلاف الحكومي التوافقي ستفضي إلى نتيجة جوهرية، فإن خيار الشرعية الرمزية لسلطة عليا جامعة مدعومة بجيش مديني موحد (في مقابل الميليشيات القبلية المتحالفة مع حركات التطرّف الديني) يظل هو الخيار البديل وليس مجرد ملاطفة عابرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.