الملكية والعبدلي.. نزيف لايتوقف
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة جاهدة إلى التخلص من أعباء الدعم الرسمي في الموازنة، والمتمثل أساسا بالطاقة والخبز والمياه، بحجة أنه استنزاف للخزينة ويشكل خلالا ماليا لا يمكن بقاءه على هذا النحو، نظرا لتداعياته الوخيمة على العجز، تجد الحكومة تتحرك بالاتجاه المعاكس لهذه السياسة، من خلال دعمها لشركات ومشاريع متعثرة، وكأن ما توفره باليمين تدفعه بالشمال.
هذه المقولة تنطبق على سياسة الحكومة تجاه مشاريع وشركات بدأت جيوب المواطنين تتحمل تداعيات فشل السياسات الحكومية في إداراتها، وباتت سياسات الدعم تتحول من الانسحاب من الدعم المالي الرسمي للمشتقات النفطية والخبز والمياه إلى دعم شركات ومشاريع متعثرة بامتياز، بحجة أنها مشاريع وشركات وطنية، والحقيقة أنها مقولة لا تمت للوطنية بشيء، بل إنها استثمارات مشتركة مع شركات أجنبية لا أكثر.
“الملكية” التي كانت الحكومة السابقة دفعت لها 100 مليون دينار لزيادة رأسمالها وأعادت الشركة الى ملكيتها من جديد بنسبة تتجاوز هذه المرة 77 بالمائة مع ملكية الضمان الاجتماعي، تسجل أداء ماليا سلبيا للغاية، وبلغت خسائر النصف الأول أكثر من 16.5 مليون دينار، والخزينة الآن تستعد لتنفيذ الجزء الثاني من الصفقة التي كانت الحكومة السابقة ابرمتها وهي شراء حصة الشريك المالي اللبناني نجيب ميقاتي بسعر 1.85 قرشا للسهم، لإخراجه من الشركة المتعثرة، وبالتالي “تتلبس” الحكومة كاملة إدارة هذه الشركة ودعمها رسميا من جيوب المواطنين، في ظل فقدان استراتيجية متكاملة لانتشال الشركة من واقعها التسويقي والتشغيلي المؤلم الذي لا يبشر لغاية الآن بخير.
“مشروع العبدلي” الذي استنزف أكثر من مليار دولار مساهمات من الشركات الثلاث، ما زال قيد الإنجاز في مرحلته الاولى التي لم يعد أحدا من الشركاء قادرا على توفير باقي السيولة المالية لإنجازها والخروج منها بأقل الخسائر، وهنا تبحث الحكومة عن دعم المشروع من خلال تسهيل عمليات الاقراض لها، ليس من البنوك هذه المرة وإنما من خلال الضمان الاجتماعي، بواسطة زيادة الضمانات العقارية لأحد الشركاء.
لا أحد يعرف لغاية الان لماذا الدولة التي سارت في ركب التخاصية وباعت حصصها في كل صغيرة وكبيرة خلال العقدين الماضيين لتوفير أموال لسد العجز، تعود من جديد لتتدخل في الاقتصاد الوطني بطريقة ساذجة بعيدة عن الرشد والحكمة؟.
إذا كانت حجة الحكومة من دعم “الملكية” و”العبدلي” أنها نماذج للشركات والمشاريع الوطنية، فإن كلمة وطنية تنطبق بشكل أفضل على مشاريع وشركات أكبر حجما وأكثر أهمية من “الملكية” و”العبدلي” مثل “الفوسفات” و”المتكاملة للنقل” وسكن كريم ومشاريع نقل الميناء وغيرها عشرات المشاريع والشركات التي يفرض المنطق أن تقوم الخزينة بدعمها في حال فتحت باب الدعم لشركات ومشاريع معينة، وإلا يفهم من سياسة الحكومة أنها تدعم مشاريع بمزاجية عالية تتحكم فيها الواسطات والمحسوبية وتخدم فئة مستثمرين معينين بحد ذاتهم.
للأسف، كل فاتورة دعم الخبز والمياه في الموازنة التي أرهقتنا الحكومات بالتركيز على خطورة مواصلة استمرارها لا تعادل ربع الدعم المقدم للمكية والعبدلي، فأيهما أولى بالدعم، المواطن أم المستثمر؟، نعم لعودة دعم الخبز والمحروقات والمياه إذا كان القرار الرسمي مُصر على دعم ميقاتي والحريري في مشاريعهما الاستثمارية الفاشلة في الأردن.
[email protected]
[email protected]

