صحيفة الكترونية اردنية شاملة

التضخم الذي لم يصل بعد: كيف يحمي الأردن استقراره من كلفة الاضطراب الإقليمي؟

بقلم: رانيا أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وذكاء المخاطر

تقول الأرقام إن التضخم في الأردن ما يزال تحت السيطرة. لكن المستورد والصانع وصاحب المنشأة الصغيرة قد يقدمون قراءة أخرى: الشحنة أصبحت أغلى، والتأمين أكثر كلفة، والمدة التي يبقى فيها رأس المال عالقاً بين الطلب والتوريد أطول.

لا يوجد تناقض هنا. فالرقم الرسمي يقيس ما وصل فعلياً إلى سعر السلعة، بينما إدارة المخاطر الاقتصادية يجب أن ترصد أيضاً ما يزال في الطريق إليها.

وفق أحدث المؤشرات المنشورة عن البنك المركزي الأردني، بلغ التضخم خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 2.13%، وسجل الاقتصاد الحقيقي نمواً بنسبة 2.93% خلال الربع الأول. كما وصلت الاحتياطيات الأجنبية الإجمالية إلى نحو 28.38 مليار دولار في آب الماضي.

هذه ليست أرقاماً هامشية في إقليم يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطراباً. إنها تعكس قدرة الدولة الأردنية، وسياستها النقدية على وجه الخصوص، على المحافظة على الاستقرار والثقة بالدينار وتوفير مظلة قوية في مواجهة الصدمات الخارجية.

لكن قوة المؤشرات لا تعني أن كلفة الاضطراب قد انتهت، بل قد تعني أن الاقتصاد نجح حتى الآن في تأخير انتقالها إلى السوق.

في أحدث مراجعة تفصيلية نشرها صندوق النقد الدولي في حزيران 2026، توقع الصندوق أن يبلغ نمو الاقتصاد الأردني 2.7% خلال العام الحالي، قبل أن يرتفع إلى 3.1% في عام 2027، مدعوماً بانطلاق مشاريع بنية تحتية كبرى. كما توقع أن يصل متوسط التضخم إلى 2.5% نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والوقود.

الفرق بين التضخم الفعلي المسجل حتى تموز، البالغ 2.13%، ومتوسط التضخم المتوقع للعام، لا ينبغي قراءته بوصفه إنذاراً سلبياً، بل مساحة زمنية متاحة للتحرك الاستباقي.

فالحروب لا تدخل الاقتصاد الأردني بالدبابات، وإنما تدخل أحياناً في بوليصة تأمين بحري، أو فاتورة وقود، أو حاوية تأخرت في الميناء، أو تمويل إضافي احتاجته شركة للحفاظ على مخزونها.

هذه هي الكلفة التي لا تظهر فوراً في مؤشر الأسعار.

عندما ترتفع أجور الشحن والتأمين، لا ينتقل الأثر مباشرة وبالنسبة نفسها إلى المستهلك. تمتص الشركات جزءاً منه أولاً، سواء من هامش أرباحها أو سيولتها أو قدرتها على التوسع. وقد تؤجل التوظيف، أو تخفض مخزونها، أو تعيد تسعير منتجاتها تدريجياً.

لذلك فإن أول من يشعر بالصدمة ليس دائماً المستهلك، بل الميزانية التشغيلية للمنشأة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين استقرار الاقتصاد الكلي وقدرة القطاعات الإنتاجية على الاحتمال. فقد تكون المؤشرات النقدية مستقرة، بينما تواجه منشأة صغيرة ضغطاً متزامناً من ارتفاع كلفة المواد الأولية والشحن والتمويل. وإذا استمر الضغط، فسوف ينتقل في النهاية إلى الأسعار أو فرص العمل أو الاستثمار.

ما يحتاجه الأردن في هذه المرحلة ليس تغيير اتجاه سياساته الاقتصادية، وإنما إضافة أداة جديدة إلى ما حققه من استقرار: مؤشر وطني لانتقال الصدمات الاقتصادية.

وظيفة هذا المؤشر أن يقيس الزمن الذي تستغرقه الصدمة الخارجية للانتقال من أسواق الطاقة والممرات البحرية إلى المستورد، ثم إلى المنتج المحلي، وأخيراً إلى المستهلك.

ولا يكفي في هذا السياق تتبع سعر برميل النفط وحده. ينبغي رصد كلف الشحن والتأمين، ومدد وصول المواد الأولية، ومستويات المخزون الاستراتيجي، وحجم التمويل التشغيلي المطلوب، وهوامش الكلفة في القطاعات الأكثر ارتباطاً بالاستيراد.

قيمة هذا المؤشر لا تكمن في إضافة رقم جديد إلى التقارير، بل في منح الحكومة فرصة التدخل في الحلقة الأقل كلفة قبل انتقال الضغط إلى الحلقة التالية.

إذا ظهر الاختناق في الشحن، يكون التدخل لوجستياً. وإذا ظهر في السيولة، يمكن تفعيل أدوات تمويل موجهة ومؤقتة. وإذا كان الخطر في الاعتماد على مورد واحد، تصبح الأولوية لتنويع مصادر الاستيراد. أما إذا بدأت الزيادة بالانتقال إلى المستهلك، فيكون القرار الرقابي والاجتماعي أكثر دقة لأنه يستند إلى معرفة مصدر الكلفة، لا إلى معالجة نتيجتها فقط.

ويمكن ربط المؤشر بغرفة تنسيق اقتصادية تضم الجهات الحكومية ذات العلاقة والبنك المركزي والقطاع الخاص، بحيث تنتقل إدارة المخاطر من تقارير قطاعية منفصلة إلى صورة وطنية مشتركة.

فالطاقة ليست ملفاً يخص قطاع الطاقة وحده. ارتفاع كلفتها يمتد إلى النقل والصناعة والزراعة والغذاء والسياحة. والشحن ليس مسألة لوجستية فقط؛ لأنه يؤثر في السيولة والتضخم وتنافسية الصادرات وقدرة المنشآت على الاستمرار.

هذا الترابط هو ما يجعل إدارة المخاطر جزءاً من السياسة الاقتصادية، وليس مجرد إجراء إداري داخل الشركات.

كما تستحق المنشآت الصغيرة والمتوسطة اهتماماً خاصاً، ليس من خلال دعم مفتوح، وإنما عبر أدوات مرتبطة بحجم الضرر واستمرارية التشغيل. وقد تشمل ضمانات مؤقتة لرأس المال العامل، أو تسهيلات للقطاعات التي تثبت تعرضها المباشر لارتفاع كلف التوريد، مقابل التزامها بالمحافظة على العمالة وعدم تحويل كامل الزيادة إلى المستهلك.

وفي المقابل، تستطيع الشركات أن تتحمل جزءاً من المسؤولية عبر تنويع الموردين، ومراجعة مستويات المخزون، وإعداد سيناريوهات بديلة للنقل والتوريد. فالمنشأة التي تنتظر تعطل السلسلة لتبحث عن مورد جديد لا تدير مخاطرها؛ بل تدير نتائج التأخر في إدارتها.

ويمتلك الأردن فرصة تتجاوز احتواء الصدمة. فكلما ازدادت الممرات التقليدية عرضة للتعطل، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للدول القادرة على توفير بيئة مستقرة ومسارات لوجستية موثوقة. ومن هنا تكتسب مشروعات العقبة والسكك والنقل والتخزين والطاقة المتجددة بعداً يتجاوز البنية التحتية، لتصبح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي وجذب الاستثمار.

لقد نجحت الدولة الأردنية في المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي في ظروف لم تكن طبيعية. والتحدي المقبل هو تحويل هذا النجاح إلى قدرة مؤسسية تلتقط الصدمة قبل أن تصل إلى فاتورة المواطن.

فالمنعة الاقتصادية لا تعني أن نمنع العالم المضطرب من التأثير فينا؛ فهذا غير ممكن. لكنها تعني أن نعرف من أين ستدخل الكلفة، وكم ستستغرق للوصول، وأين نستطيع إيقاف تضخمها.

وعندها لا يعود الاستقرار مجرد دفاع عن الاقتصاد، بل يصبح ميزة استثمارية أردنية قائمة بذاتها.

المصادر الإحصائية: البنك المركزي الأردني، آخر تحديث للمؤشرات الاقتصادية في 7 أيلول 2026؛ دائرة الإحصاءات العامة؛ تقرير المراجعة الخامسة لبرنامج الأردن مع صندوق النقد الدولي، حزيران 2026

التعليقات مغلقة.