صحيفة الكترونية اردنية شاملة

من السند الأخضر إلى الرمز الرقمي: هل يستطيع الأردن تمويل التحول الأخضر من دون ترميز المخاطر؟

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

لم يكن اختيار البنك المركزي الأردني موضوع «ترميز الأصول وإدارة المخاطر في الأصول الرقمية والمالية المفتوحة» لورشة عمله المتخصصة، في مطلع أيلول الجاري، حدثاً تقنياً عابراً. فهو يضع القطاع المالي الأردني أمام سؤال اقتصادي كبير: كيف ننتقل من تمويلٍ أخضر محدود الأدوات إلى سوق قادرة على تعبئة رؤوس أموال أوسع لمشروعات الطاقة والمياه والبنية التحتية، من دون تحويل التقنية إلى بوابة جديدة لمخاطر غير مرئية؟

ترميز الأصول، أو الـTokenization، هو تمثيل حق مالي أو عيني قائم في صورة رقمية قابلة للبرمجة والتداول. قد يكون هذا الحق حصة في صندوق، أو سنداً، أو صكاً، أو تدفقاً نقدياً متوقعاً من مشروع للطاقة المتجددة. والقيمة التي تضيفها التقنية لا تكمن في تغيير طبيعة الأصل، بل في إعادة هندسة كيفية امتلاكه ونقله وتسويته والإفصاح عنه.

في الحالة الأردنية، تبرز فرصة واقعية: ترميز إصدارات محددة من السندات أو الصكوك الخضراء المرتبطة بمشروعات ذات عائد قابل للقياس، مثل الطاقة الشمسية، وكفاءة استخدام الطاقة، وتخزين الكهرباء، أو البنية المائية المقاومة للتغير المناخي. هذه الأدوات قد تسمح بتجزئة الاستثمار، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وربط العائد بمؤشرات أداء بيئية وتشغيلية معلنة، وتقصير زمن التسوية مقارنة بالعمليات التقليدية.

لكن هذه الإمكانية لا تعني أن كل مشروع أخضر مؤهل للترميز، ولا أن الرمز الرقمي يضفي تلقائياً صفة الاستدامة على الأصل. فالخطر الحقيقي هو أن يُرمّز عنوان المشروع قبل أن تُثبت جدواه، أو أن تتحول «الخضرة» إلى وصف تسويقي لا يستند إلى استخدامات واضحة للعائدات، وقياس دوري للأثر، وتحقق مستقل من البيانات.

التمويل الأخضر الجيد لا يُقاس بعدد الإصدارات أو حجمها فقط، بل بسلسلة متكاملة من الأسئلة: ما الأصل الذي يمول؟ ما التدفقات النقدية التي تسند العائد؟ من يملك حق التحقق من استخدام الحصيلة؟ كيف يُقاس الأثر البيئي؟ وما الذي يحدث لحقوق المستثمر إذا تعثر المشروع أو أُخِلّ بشروطه؟

هنا تحديداً تلتقي إدارة المخاطر بالابتكار المالي. فترميز السند الأخضر يمكن أن يحسن الشفافية إذا أتاح تتبع الاستخدامات والمراحل والبيانات، لكنه قد يضاعف المخاطر إذا كانت البيانات غير موثوقة، أو كانت الملكية القانونية للأصل غير محكمة، أو افتقرت المنصة إلى ضوابط للحفظ والأمن السيبراني. والعقد الذكي قد ينفذ شرطاً برمجياً فوراً، لكنه لا يضمن أن الشرط عادل، ولا أن الكود خالٍ من الخلل، ولا أن النزاع القانوني يمكن حله بوضوح عند وقوعه.

إن المخاطر في الأصول الرقمية لا تختفي؛ بل تغيّر سرعتها ومكان ظهورها. فهي تنتقل من الدفاتر الورقية والتسويات التقليدية إلى محافظ الحفظ، والمفاتيح الخاصة، والعقود الذكية، وواجهات تبادل البيانات، وسلاسل التحقق من الهوية، والمنصات العابرة للحدود. ولذلك فإن أي مسار أردني جاد ينبغي أن يبدأ من حوكمة الأصل قبل حوكمة الرمز.

وهذا يقتضي، أولاً، سجلاً قانونياً واضحاً يحدد العلاقة بين الرمز والأصل وحقوق حامله. وثانياً، إطاراً مستقلاً للتحقق من المعايير البيئية واستخدامات الحصيلة، حمايةً للسوق من «الغسل الأخضر». وثالثاً، ضوابط مؤسسية للحفظ الرقمي، وإدارة مخاطر الأمن السيبراني، واستمرارية الأعمال، وحماية المستثمر. ورابعاً، تجارب محدودة ضمن بيئات رقابية تجريبية، بدلاً من فتح سوق واسعة قبل اختبار السيولة والتسعير وآليات الخروج.

المالية المفتوحة تضيف بدورها بُعداً مهماً. فتبادل البيانات المالية، بموافقة العميل، يمكن أن يحسن تقييم الجدارة الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الطاقة النظيفة وكفاءة الموارد. لكنه يخلق في المقابل مسؤولية أكبر لحماية الخصوصية، وضبط استخدام البيانات، وتحديد المسؤولية عند حدوث اختراق أو سوء استخدام أو تحيز خوارزمي في التسعير والتمويل.

إن الأردن يمتلك أرضية مؤسسية تستحق البناء عليها؛ فاستراتيجية البنك المركزي للتمويل الأخضر للأعوام 2023–2028 وضعت تعبئة التمويل الأخضر وإدارة المخاطر المناخية في صلب تطوير القطاع المالي. كما أن السوق شهد إصدارات خضراء خصصت لتمويل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والمباني الخضراء والمركبات الكهربائية. الخطوة التالية ليست مضاعفة الأدوات فحسب، بل وصلها ببنية رقمية موثوقة تجعل الأثر قابلاً للقياس والتمويل أكثر قابلية للوصول.

المعادلة ليست معقدة: نُثبت الأصل، نتحقق من أثره، نُسعّر مخاطره، نؤمّن بياناته، ثم نختار التقنية المناسبة لتمويله وتداوله. أما عكس هذه المعادلة، أي البدء بالرمز ثم البحث عن القيمة، فهو طريق سريع إلى المضاربة وفقدان الثقة.

لذلك، فإن أهمية ورشة البنك المركزي الأردني لا تكمن في تعريف السوق بمصطلح جديد، بل في نقل النقاش من سؤال «كيف نلحق بالموجة؟» إلى سؤال أكثر مسؤولية: «كيف نبني سوقاً رقمية أردنية تكون فيها كل قيمة مرمّزة مدعومة بأصل واضح، وأثر قابل للقياس، وحق قابل للإنفاذ، ومخاطر معلنة؟»

في الاقتصاد الأخضر، لا يكفي أن يكون التمويل رقمياً أو سريعاً. المطلوب أن يكون قابلاً للتحقق، وأن يحافظ على الثقة، وأن يحول الاستثمار المناخي من وعدٍ تقني إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

مراجع للتحرير الصحفي: خبر ورشة البنك المركزي الأردني بتاريخ 1 أيلول 2026؛ استراتيجية التمويل الأخضر للبنك المركزي الأردني 2023–2028⁠؛ إصدار السند الأخضر الثاني لبنك الكويت الأردني بالتعاون مع IFC⁠؛ إطار بنك التسويات الدولية للترميز والنظام المالي المستقبل

التعليقات مغلقة.