الاستقرار النقدي في الأردن.. من الإنجاز الدولي إلى النمو الاقتصادي المستدام
يشكّل حصول الأردن على المرتبة الثالثة عالمياً في محور “سلامة النقد” (Sound Money)، ضمن تقرير الحرية الاقتصادية في العالم لعام 2026 الصادر عن معهد فريزر الكندي، بنتيجة بلغت 9.59 من أصل 10 نقاط، مؤشراً مهماً على متانة البيئة النقدية الأردنية، وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار والثقة بالعملة الوطنية في ظل ظروف إقليمية ودولية اتسمت بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتوالي الصدمات الاقتصادية والمالية.
وتتجاوز أهمية هذه النتيجة حدود التقدم في أحد المؤشرات الدولية، لتسلّط الضوء على أحد أهم عناصر القوة في الاقتصاد الأردني، والمتمثل في الاستقرار النقدي الذي يشكّل أساساً ضرورياً لسلامة المعاملات الاقتصادية، وحماية القوة الشرائية، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتوفير بيئة أكثر وضوحاً للأفراد والشركات والمستثمرين عند اتخاذ قراراتهم المالية والاستثمارية.
وقد اكتسب هذا الاستقرار أهمية استثنائية خلال السنوات الماضية، في ظل التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالمياً عقب الحرب الروسية الأوكرانية، وتشدد السياسات النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى، فضلاً عن الاضطرابات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة وما ترتب عليها من ضغوط على سلاسل التوريد والتجارة والاستثمار. وفي مواجهة هذه التحديات، برزت أهمية المحافظة على الاستقرار النقدي بوصفه خط الدفاع الأول في الحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي، وتعزيز قدرته على التكيف مع المتغيرات.
البنك المركزي والسياسة النقدية.. ركيزة الثقة والاستقرار
لا يمكن قراءة هذا الإنجاز بمعزل عن الدور المحوري الذي يضطلع به البنك المركزي الأردني في إدارة السياسة النقدية، والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي، وتعزيز الثقة بالدينار الأردني، إلى جانب دوره الرقابي والإشرافي على الجهاز المصرفي.
فقد أسهمت السياسة النقدية، القائمة على المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار، ضمن إطار ربطه بالدولار الأميركي، في تعزيز القدرة على التنبؤ بالتكاليف والأسعار، والحد من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وتوفير قدر أكبر من الوضوح للمستثمرين والمتعاملين في السوق. كما أن المحافظة على مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية، وإدارة السيولة ضمن الأطر المناسبة، وتعزيز متانة البنوك وقدرتها على مواجهة المخاطر، تمثل جميعها عناصر أساسية في دعم الاستقرار والثقة.
وفي هذا السياق، فإن سلامة النقد لا تعني فقط استقرار سعر الصرف، بل تشمل أيضاً المحافظة على مستويات تضخم منضبطة، وتعزيز مصداقية السياسة النقدية، وحماية القوة الشرائية، وضمان كفاءة النظام المالي وقدرته على دعم النشاط الاقتصادي دون الإخلال بالتوازنات النقدية والمالية.
وتزداد أهمية هذه العناصر في اقتصاد يعتمد بدرجة ملموسة على الاستيراد، ويتأثر بالتغيرات في أسعار الطاقة والسلع الأساسية وتكاليف النقل والشحن عالمياً. فكلما ارتفعت درجة الاستقرار النقدي، تحسنت قدرة الشركات على إعداد موازناتها، وتقدير تكاليف الإنتاج، وإدارة التزاماتها المالية، واتخاذ قراراتها المتعلقة بالتوسع والتوظيف والاستثمار.
الجهاز المصرفي.. من حماية الاستقرار إلى تمويل الاقتصاد المنتج
يمثّل الجهاز المصرفي الأردني شريكاً أساسياً في ترسيخ الاستقرار النقدي والمالي، ليس فقط من خلال الالتزام بالمتطلبات الرقابية ومعايير الحوكمة وإدارة المخاطر، وإنما أيضاً من خلال دوره في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وتكمن أهمية القطاع المصرفي في قدرته على تحويل الثقة في النظام المالي إلى تمويل فعّال يدعم الاستثمار والإنتاج والتجارة. فوجود قطاع مصرفي متين، يتمتع بمستويات مناسبة من السيولة ورأس المال، ويطبق ممارسات سليمة في إدارة المخاطر، يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، ويحافظ على استمرارية التمويل في الظروف الصعبة.
ومع ذلك، فإن تعظيم الأثر الاقتصادي للاستقرار النقدي يتطلب مواصلة تطوير دور البنوك في تمويل المشاريع الإنتاجية، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والصناعات التصديرية، والمشاريع ذات القيمة المضافة العالية، إلى جانب دعم الابتكار والتحول الرقمي والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والمياه والقطاعات الواعدة.
ولا يعني ذلك التوسع في الإقراض دون ضوابط، بل تحقيق التوازن بين سلامة الائتمان وكفاءة تخصيص الموارد، من خلال تقييم المخاطر بصورة دقيقة، وتطوير أدوات التمويل، وتحسين الوصول إلى الائتمان، وتوجيه التمويل إلى مشاريع قادرة على توليد تدفقات نقدية مستدامة وفرص عمل حقيقية.
كما تبرز أهمية تعزيز التكامل بين البنوك ومؤسسات ضمان القروض وصناديق الاستثمار والجهات المعنية بدعم المشروعات، بما يسهم في تخفيف بعض معوقات التمويل، وتوسيع قاعدة المستفيدين منه، وتحسين قدرة المشاريع القابلة للنمو على الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنتاج والتوسع.
من الاستقرار النقدي إلى الاستثمار والنمو
على الرغم من أهمية الاستقرار النقدي بوصفه شرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي، فإنه لا يكفي بمفرده لضمان تحقيق معدلات نمو مرتفعة أو توفير فرص العمل. فالاستقرار يهيئ البيئة المناسبة للنشاط الاقتصادي، لكن تحويل هذه الميزة إلى نتائج ملموسة يتطلب سياسات متكاملة تعالج التحديات المرتبطة بالإنتاجية والاستثمار والتنافسية وسوق العمل.
ومن هنا، تبرز ضرورة البناء على المكانة التي حققها الأردن في محور سلامة النقد لتعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوسيع الاستثمارات الموجهة نحو القطاعات الإنتاجية، بما يرفع مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي، ويعزز القدرة التصديرية للاقتصاد الوطني.
ويتطلب ذلك مواصلة تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، وتبسيط إجراءات ممارسة الأعمال، وتعزيز استقرار السياسات الاقتصادية، وتسريع إنجاز المعاملات الاستثمارية، وتحسين كفاءة البنية التحتية والخدمات اللوجستية. فالمستثمر، إلى جانب اهتمامه باستقرار العملة والتضخم، ينظر إلى وضوح التشريعات، وسهولة تأسيس الأعمال، وكلفة التمويل والطاقة، وتوافر الكفاءات البشرية، وحجم السوق وإمكانية الوصول إلى الأسواق الخارجية. كما أن تحسن موقع الأردن في المؤشر العام للحرية الاقتصادية يستدعي التعامل مع النتائج بصورة شمولية. فوفقاً للأرقام الواردة في التقرير، جاء الأردن في المرتبة الخمسين عالمياً في المؤشر العام، مسجلاً 7.38 نقطة من أصل 10، بينما حل في المرتبة الخامسة والعشرين عالمياً في محور القوانين واللوائح التنظيمية بالنتيجة نفسها. ويشير هذا التباين بين أداء المحاور إلى أهمية المحافظة على نقاط القوة النقدية، بالتوازي مع مواصلة تحسين البيئة الاقتصادية والتنظيمية وتعزيز كفاءة المؤسسات والأسواق.
إن الرسالة الأساسية هنا تتمثل في أن الاستقرار النقدي يوفر ميزة تنافسية مهمة، لكنه يحتاج إلى بيئة أعمال قادرة على تحويل الثقة إلى استثمارات فعلية، وتحويل الاستثمارات إلى إنتاج وصادرات ودخل وفرص عمل.
التحدي المقبل.. رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات
يواجه الاقتصاد الأردني تحدياً مزدوجاً يتمثل في المحافظة على الاستقرار النقدي من جهة، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة من جهة أخرى. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والاستثمارية، مع الحفاظ على استقلالية الأدوار المؤسسية لكل جهة، وضمان اتساق السياسات العامة مع أهداف الاستقرار والنمو.
ومن الأولويات في هذا المجال تعزيز الإنتاجية والتنافسية، وتوسيع القاعدة التصديرية، وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما كان الإنتاج المحلي كفؤاً وقادراً على المنافسة، إلى جانب دعم الصناعات ذات القيمة المضافة، وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وتطوير المهارات المهنية والتقنية التي يحتاج إليها سوق العمل.
كذلك، فإن المحافظة على مستويات مناسبة من الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار الرقابة الفاعلة على القطاع المصرفي، وتعزيز اختبارات الضغط وإدارة المخاطر، تظل ضرورية في ظل استمرار التقلبات العالمية والإقليمية. ويكتسب تنويع مصادر النمو والدخل والصادرات أهمية خاصة، لأنه يقلل من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية، ويعزز قدرته على الاستمرار في تحقيق النمو حتى في ظل الظروف غير المواتية.
ولا بد أيضاً من الاهتمام بجودة النمو الاقتصادي، بحيث لا يقتصر التقدم على ارتفاع معدلات الناتج المحلي الإجمالي، بل ينعكس في زيادة فرص العمل، وتحسين مستويات الدخل، ورفع مشاركة الشباب والمرأة في النشاط الاقتصادي، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على التوسع والابتكار.
الخلاصة.. الاستقرار النقدي قاعدة للإنجاز الاقتصادي
إن حصول الأردن على المرتبة الثالثة عالمياً في محور سلامة النقد يمثل شهادة دولية مهمة على قوة أحد المرتكزات الأساسية للاقتصاد الوطني، ويعكس أهمية المحافظة على الثقة بالدينار الأردني ومتانة المنظومة النقدية والمصرفية.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاحتفاء بالإنجاز إلى تعظيم عائده الاقتصادي، من خلال استثمار الاستقرار النقدي في توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمارات، وتعزيز الصادرات، وتطوير البيئة التنظيمية، ورفع إنتاجية الاقتصاد وقدرته على المنافسة.
فالدول لا تحقق التنمية المستدامة بمجرد امتلاك عملة مستقرة أو تحقيق مراكز متقدمة في المؤشرات الدولية، بل بقدرتها على توظيف هذه المزايا في بناء اقتصاد منتج، قادر على خلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، وتوفير فرص استثمارية مجدية.
وعليه، فإن الاستقرار النقدي في الأردن ليس مجرد إنجاز مالي أو مؤشر دولي متقدم، بل هو رصيد إستراتيجي ينبغي البناء عليه، ليشكّل قاعدة لانطلاقة اقتصادية أوسع، تجمع بين الثقة النقدية، وكفاءة التمويل، وجاذبية الاستثمار، والنمو المستدام.
*خبير مصرفي واقتصادي



التعليقات مغلقة.