صحيفة الكترونية اردنية شاملة

50 مليون دولار و70% كهرباء: اختبار الزرقاء الصناعي

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

الحوافز التي أقرّتها الحكومة لصناعة السيارات وتجميعها في منطقة الزرقاء التنموية ليست قراراً عادياً. فالمشروع الذي يدخل مسار التجميع أو التصنيع الكامل يحتاج إلى استثمار لا يقل عن 50 مليون دولار، ويحصل على دعم كهرباء بنسبة 70% لمدة خمس سنوات، وتخفيض 60% من سعر الأرض، ودعم 75% من كلفة مناولة الحاويات في العقبة. وعندما تتدخل الدولة بهذه الكلفة، يصبح من حق الاقتصاد أن يسأل عن العائد: كم وظيفة دائمة ستنشأ؟ وكم مكوّناً سيُصنع محلياً؟ وكم دولاراً سيدخل من التصدير؟

القرار في جوهره ليس دعماً لسيارة؛ بل محاولة لبناء قطاع صناعي جديد. والفرق كبير بين سيارة يجري تجميعها في الأردن من مكونات شبه كاملة، وبين صناعة تتشكل حولها مصانع زجاج ومقاعد وبطاريات وإطارات وقطع غيار، وخدمات هندسية وبرمجيات وفحص وصيانة. الأولى تخفف جزءاً من فاتورة الاستيراد، أما الثانية فتبقي القيمة داخل البلد وتفتح باباً أمام مؤسسات صغيرة ومتوسطة، ومهن فنية، وعقود تصدير.

يُحسب للحزمة أنها فرّقت بين التجميع الكامل والتجميع الجزئي. فحد الاستثمار في المسار الكامل 50 مليون دولار، مقابل 20 مليون دولار للمسار شبه الكامل، كما ربطت المزايا بتشغيل ما لا يقل عن 50 أردنياً في كل مشروع واستمرارهم في العمل. والأهم أنها جعلت الإعفاءات الأوسع مرتبطة بإنشاء أو استقطاب ثلاثة أنشطة صناعية مساندة على الأقل. هذه نقطة صحيحة؛ لأن صناعة السيارات لا تُقاس بعدد المركبات التي تغادر خط الإنتاج، بل بعدد الشركات الأردنية التي تدخل سلسلة التوريد وتبقى فيها.

لكن الشرط الحقيقي للنجاح يبدأ بعد توقيع مذكرة التفاهم. إذا بقيت البطارية والمقاعد والزجاج والإطارات وقطع الغيار مستوردة، فإننا نكون قد خفّضنا كلفة دخول السيارة لا كلفة خروج العملة. عندها يتلقى المشروع دعماً في الكهرباء والأرض والميناء، بينما يظل الجزء الأكبر من الإنفاق خارج الاقتصاد. أما إذا ارتفعت المشتريات المحلية تدريجياً، وتوسعت شبكة الموردين، وارتفعت حصة الوظائف الفنية والهندسية، فإن الحافز يتحول من كلفة على الخزينة إلى استثمار في قاعدة إنتاجية.

الحزمة فتحت كذلك نافذة مهمة للتصدير: ضريبة دخل صفرية على صادرات مشاريع التجميع الكامل لمدة خمس سنوات، وإعفاء كلي ضمن الشروط لمدة عشر سنوات. غير أن الإعفاء وحده لا يفتح سوقاً. التصدير يحتاج اعتماد مواصفات، وشبكة صيانة وضمان، وتمويلاً تجارياً، وتخليصاً سريعاً، وقدرة على تسليم المنتج في موعده. السيارة التي تباع في السوق المحلي تضيف نشاطاً، لكن السيارة التي تدخل سوقاً إقليمياً تخلق طلباً متكرراً على قطعها وخدماتها وعمالتها.

الحافز المالي يجذب المستثمر إلى الباب؛ أما الجمارك السريعة، والطاقة المستقرة، والتمويل للمورّدين، والمعاهد الفنية، فهي التي تبقيه في الداخل. لهذا لا ينبغي أن يقاس نجاح المشروع بإعلان الاستثمار أو حفل الافتتاح. مصنع السيارات لا يستطيع العمل بكفاءة إذا تعطلت قطعة في الميناء، أو تأخر فحص جودة، أو افتقد مورّده المحلي إلى التمويل، أو لم يجد فنياً مدرباً. هذه التفاصيل هي التي تحدد إن كانت الزرقاء ستصبح موقع تجميع مؤقتاً أم منصة صناعية قابلة للتوسع.

المطلوب الآن ليس حزمة حوافز إضافية، بل عقد أداء واضح. ينشر كل ستة أشهر أربعة أرقام لا تحتمل التأويل: نسبة المكوّن المحلي، وعدد الموردين الأردنيين وقيمة المشتريات منهم، وقيمة الصادرات الفعلية، وعدد الوظائف المستمرة لا الموعود بها. ويجب أن ترتفع الحوافز كلما تحسنت هذه المؤشرات، وأن تُراجع عندما يبقى النشاط عند مستوى التجميع السطحي. هكذا تحمي الدولة المال العام، ويعرف المستثمر الجاد قواعد اللعبة منذ البداية.

الزرقاء تملك قاعدة صناعية وقرباً من سوق العمل وربطاً مع العقبة والأسواق الإقليمية. لكنها لن تنافس الدول المجاورة بالإعفاءات وحدها. الميزة التي تحتاجها هي كلفة وقت أقل، ومورّد محلي قادر، وعامل فني مؤهل، ومنظومة ترفع الإنتاج المحلي عاماً بعد عام. فإذا تحققت هذه الشروط، تصبح حوافز السيارات استثماراً منتجاً. وإذا لم تتحقق، فستكون مجرد كلفة لتجميع ما صُنع في أماكن أخرى.

التعليقات مغلقة.