الأردن الذي نعرفه ونحميه
ماهر ابو السمن
الجريمة الإرهابية الآثمة التي شهدتها محافظة الكرك العزيزة ليست فعلًا معزولًا أو اعتداءً على أفراد فحسب، بل جريمة نكراء استهدفت الإنسان الأردني، وانتهكت حرمة الحياة، وطالت أرواحًا بريئة في لحظة حزن ووداع، وهي جريمة تصطدم مباشرة بقيم الأردن الدينية والإنسانية والوطنية، وبإرثه العريق في صون الكرامة واحترام الإنسان.
لكن الأردن الذي نعرفه سيبقى عصيا على أن تنال من وحدته مثل هذه الجريمة، أو أن يترك الألم فيه مجالًا للفرقة، فما أصاب أهلنا في الكرك أصاب كل بيت أردني، وما مسّ أشقاءنا المسيحيين مسّ المسلمين قبلهم وبعدهم، لأن الأردنيين لم يعرفوا يومًا أن يفرّقوا بين دم ودم، أو أن يقيسوا الحزن بمعتقد، أو أن يجعلوا من الاختلاف الديني حدًا يفصل بين أبناء الوطن، وفي مواجهة الجريمة، يقف المجتمع الأردني متماسكًا، متشبثًا بأخوته، رافضًا للكراهية، ومؤكدًا أن وحدته أقوى من كل محاولات العبث بها.
وهذه ليست كلمات تقال في لحظة انفعال عاطفي، وإنما حقيقة راسخة في تاريخ مجتمعنا، وفي طبيعة العلاقات الإنسانية التي جمعت أبناءه عبر أجيال طويلة.
وأستحضر هنا، من تجربتي الشخصية، شيئًا من طفولتي ونشأتي في مدينة السلط، تلك المدينة التي عرفت فيها، كما عرف غيري من أبنائها، معنى الأخوّة بين المسلمين والمسيحيين بوصفها ممارسة طبيعية للحياة، لا شعارًا نردده في المناسبات.
لقد نشأنا بين عشائر مسلمة ومسيحية عريقة، وتشاركنا منذ الطفولة الحارات والمدارس ومقاعد الدراسة، ثم ميادين العمل والخدمة العامة، والأفراح والأحزان، وسائر تفاصيل الحياة اليومية، ولم يكن أحد منا يشعر بأنه يعيش تجربة استثنائية في التسامح، ولم نكن بحاجة إلى حملات توعية تخبرنا كيف نتعايش مع بعضنا، لأننا لم نكن نرى في اختلاف الدين سببًا للافتراق أصلًا.
وما عرفته في السلط لم يكن خصوصية تنفرد بها مدينة دون غيرها، بل صورة مصغرة لما عرفته الكرك ومادبا والفحيص وعجلون وعمّان، وسائر المدن والقرى الأردنية، حيث امتزجت حياة المسلمين والمسيحيين، وتداخلت علاقاتهم الاجتماعية والإنسانية، حتى غدت الأخوّة بينهم جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع وثقافته.
ولم يولد هذا النموذج مع الدولة الحديثة، ولا كان ثمرة خطابات رسمية أو برامج للتوعية والتسامح، على أهميتها، بل هو امتداد لجذور حضارية وإنسانية ودينية عميقة، تضرب في تاريخ هذه الأرض منذ قرون طويلة.
فقد احتضن الأردن المسيحية منذ بداياتها الأولى قبل ما يقارب ألفي عام، وشهد عبر تاريخه تفاعلًا حضاريًا وإنسانيًا بين أتباع الديانات، ترسخ مع تعاقب الأجيال، وأصبح جزءًا من وجدان الناس وعاداتهم وتقاليدهم.
ومن هنا، فإن المسيحيين الأردنيين ليسوا ضيوفًا على هذه الأرض، ولا جماعة طارئة على تاريخها، بل هم من أبنائها الأصليين، وأحفاد المسيحيين الأوائل الذين عاشت أجيالهم على هذه الأرض منذ فجر المسيحية، وهم شركاء أصيلون في تاريخ الأردن وحضارته، وفي بناء دولته الحديثة ومؤسساتها، وفي الدفاع عن وطنه وخدمة شعبه، وفي كل ما تحقق على أرضه من منجزات.
لقد عرف الأردن هذا المعنى العميق للوحدة في تفاصيل الحياة اليومية، كما عرفه في أصعب المحطات التي مر بها، وحين تعرض وطننا للتحديات والمحن، لم يكن السؤال يومًا عن دين من يقف إلى جانب الوطن، بل عن صدقه في الانتماء إليه واستعداده للتضحية من أجله.
ولذلك فإن الجريمة التي وقعت في الكرك ليست اعتداءً على مكوّن من مكونات المجتمع الأردني فحسب، بل اعتداء على المجتمع كله، وعلى منظومة القيم التي حفظت وحدته وتماسكه، ومحاولة لزرع الخوف والشك في نفوس أبناء وطن اعتادوا أن تكون علاقاتهم أقوى من كل محاولات التفريق بينهم.
وإذا كان مرتكبو هذه الجريمة قد أرادوا أن يفتحوا بابًا للكراهية، فإن الرد الأردني الحقيقي ينبغي أن يكون بمزيد من التمسك بالأخوّة والوحدة، ورفض كل خطاب يحاول استغلال الألم لإثارة الانقسام، أو تحويل الاختلاف الديني إلى سبب للفرقة.
فالدين الذي عرفناه في بيوتنا ومدارسنا ومجتمعنا كان دائمًا مصدرًا للأخلاق والرحمة وصون الأرواح، ولم يكن يومًا مبررًا للاعتداء على الأبرياء، ولا يمكن لفكر متطرف أن يصادر هذا الإرث الإنساني العريق، أو أن يختطف باسم الدين ما بناه الناس من محبة وثقة على امتداد القرون.
إن استقرار الأردن وأمنه ووحدة شعبه مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتقنا جميعًا، وحمايتها لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها، على ضرورتها، وإنما أيضًا بصون ثقافتنا الاجتماعية الأصيلة، وحماية العلاقات الإنسانية التي جمعت الأردنيين، وتوريثها لأبنائنا كما ورثناها عن آبائنا وأجدادنا.
وأمام هذا المصاب الجلل، أتوجه إلى أهلنا في الكرك، وإلى عائلات الضحايا وذويهم، وإلى أشقائنا المسيحيين في كل أنحاء المملكة، بخالص مشاعر الحزن والمواساة، مؤكدًا أن ما أصابهم أصابنا جميعًا، وأن وجعهم وجع الأردن بأسره.
لقد عشنا معًا على هذه الأرض قرونًا طويلة، وتقاسمنا خبزها وماءها، وأفراحها وأحزانها، وحفظنا لبعضنا المحبة والوفاء، وهذه روابط لا تصنعها الكلمات ولا تلغيها جرائم الكراهية، لأنها أعمق من أن تنال منها يد عابثة، وأرسخ من أن تزعزعها لحظة غدر.
رحم الله الضحايا الأبرياء، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، في ظل قيادته الهاشمية، وبوعي أبنائه وتماسكهم.
سيبقى الأردن، كما عرفناه وعاشه آباؤنا وأجدادنا، وطنًا يتسع للجميع، لا تقاس فيه قيمة الإنسان بدينه، بل بإنسانيته وانتمائه، وسيبقى ما يجمع المسلمين والمسيحيين فيه أكبر وأعمق وأبقى من كل محاولات التفريق.
* وزير الأشغال العامة والإسكان



التعليقات مغلقة.