دفعة أولى على الحساب مع الإرهاب
ما شاء الله عليهم. لا يبيتون الثأر نشامى الجيش العربي وصقور القوات المسلحة… دكّوا قواعد الإرهاب في الجنوب السوري. لم يخلف القائد الأعلى وعده لذوي الضحايا المكلومين. قال والغضب يسطع في ملامحه: “بنورجيهم”. كان يرتدي زي القتال العسكري، ومن حوله القيادات العسكرية والأمنية وفرسان الحق المؤتمنين على ترجمة الوعد.
هناك ما يخصّ جلالة الملك شخصيًا فيما حدث. فهو وقف بكل ثقة في الأمم المتحدة ليوجه إصبع الاتهام مباشرة لنتنياهو وحكومة جرائم الحرب في تل أبيب، وفي ظهره كل مصداقية بلده في حرب الرواية مع الاحتلال، مع خرافة إسرائيل واحة الديمقراطية حامية الأقليات الدينية في محيط من التعصب والتطرف.
قدم جلالة الملك أوراق اعتمادهم مستندًا على الحقائق الساطعة على الأرض بين حال المسيحيين العرب هنا وهناك. حالهم في بلدهم الأردن، وحالهم في بلدهم فلسطين تحت الاحتلال. نتنياهو لم يعد قادرًا على خداع الغرب المسيحي، وغادر الحضور القاعة رفضًا واحتقارًا لمجرم الحرب هذا، وصفقوا كثيرًا لجلالة الملك، واهتم الإعلام بتسليط الضوء على حال المسيحيين هنا وهناك، وجال الصحفي الشهير تاكر كارلسون بين الضفتين، وقابل قيادات مسيحية وقدم شهادات مذهلة عن الفرق. العنصرية والتنكيل الذي يواجهه الفلسطينيون المسيحيون مثل المسلمين على حد سواء تحت حكم اليمين العنصري الديني المتطرف، مقابل الصورة النقيضة في الأردن. بدا أن العملية الإجرامية توجه طعنة غادرة مباشرة في ظهر جلالة الملك، وهو يكسب الحرب المريرة مع الرواية الصهيونية.
على هذه الخلفية، كان منطقيًا أن نفترض أصابع الاحتلال وراء العملية الإرهابية، وكأنهم يردون على جلالة الملك ويقولون للغرب: هذا ما يناله المسيحيون في بلد الملك. لكن هذا شيء، وتبني نظرية المؤامرة الخارجية التي تتقصد إعفاء الدواعش من المسؤولية وتعليقها على قوى خارجية شيء آخر. وهذا سجال قديم كان يوشك أن يتجدد لولا الانكشاف الفوري لهوية المنفذين، ثم الوصول سريعًا إلى من يقف وراءهم خارج الحدود. وأتذكر أن أول رد فعل من بعض الأصوات عندنا على تفجيرات الفنادق أعفت الزرقاوي وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين من المسؤولية، وحمّلتها لعملاء الصهيونية والقوى الغربية المعادية للإسلام ولتشويه صورته. وقلنا إن العملاء يقبضون لتنفيذ عمليات إرهابية ولا يضحون بحياتهم.
صحيح أن ظاهرة التطرف الديني والإرهاب تخدم العدو المحتل وكل من يقف وراءه، وهي بالتأكيد مخترقة من قبلهم ماديًا واستخباريًا. لكنها بالأساس ظاهرة فكرية سياسية اجتماعية محلية، نعرف سياقها وتاريخها. وقد استُخدمت بالفعل ودُعمت علنًا في الصراع مع المعسكر الشرقي والاتحاد السوفييتي والحرب في أفغانستان، حتى ارتدت على بلداننا وبلغت ذروتها مع داعش، وكان علينا في الأردن أن نرى الشهيد البطل الطيار معاذ الكساسبة يُحرق حيًا حتى تنخرس الأصوات التي تلعب دور التمويه والتغطية على الغسيل القذر. واليوم، بعد أن عادت مخلفات الداعشية الآفلة لتضرب بلؤم وقذارة لم تخطر على خيال في صميم النسيج الوطني، نرى أصواتًا تطل مواربة وعلى استحياء لخلط الأوراق وخلخلة الإجماع الوطني، وهي ستطور خطابها لكبح الاندفاعة الرسمية والشعبية لمواجهة الظاهرة في جذورها الفكرية والاجتماعية.
ليست مهمة الدولة فقط، بل المجتمع بكل مكوناته السياسية والثقافية والفكرية، المشاركة في استراتيجية مستدامة لتجفيف منابع الظلامية والتطرف والإرهاب، بالتوازي مع الجهد الأمني لاستئصال مخلفات الداعشية من بين ظهرانينا.
عسكريًا، لدى الأردن حساب مباشر لتصفيته مع قوى الإرهاب في الخارج التي اعتدت على بلدنا وعلى حياة مواطنينا، وضربة الأمس دفعة أولى على الحساب.



التعليقات مغلقة.