الأردن بين المناعة والمرونة
العين حسين الحواتمة
حصانة تصدّ الخطر قبل وقوعه، وقدرة على تجاوزه، إن وقع معادلة صمود الدولة الأردنية، في قاموس الدول أن القوة لا تقاس بغياب الأزمات، بل بالقدرة على مواجهتها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين مفهومين كثيراً ما يُخلط بينهما في الخطاب السياسي: المناعة والمرونة. فالمناعة هي قوة الدولة في وجه التحديات، وصلابة بنيانها، وصعوبة اختراقها من الداخل أو الخارج، إنها الحصن الذي يصدّ الخطر قبل وقوعه. أما المرونة فهي قدرة الدولة، إذا ما وقع التحدي أو اندلعت الأزمة، على استيعابها وامتصاص صدمتها وتجاوزها، والخروج منها بأقل الخسائر، بل وأقوى مما كانت أحياناً.
وبهذا المعنى، تتجلّى قوة الدولة في مرحلتين متكاملتين: قبل الأزمة، حين تعمل المناعة على منعها أو الحدّ من أثرها، وأثناءها وبعدها، حين تظهر المرونة عبر كفاءة المؤسسات، ومتانة الأنظمة والقوانين، ووضوح الخطط والاستراتيجيات، والأهم من ذلك كله: القدرة على تنفيذها باحتراف وانضباط. غير أنه ليس في عالم السياسة دولة تملك مناعة مطلقة. فكل دولة، مهما بلغت قوتها، عرضة للتأثر بأزمات تتجاوز حدودها وإرادتها، وقد قدّمت جائحة كورونا الدليل الأوضح على ذلك، حين عجزت أعتى الدول وأكثرها تقدماً عن تحصين نفسها من آثارها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. وهنا تحديداً يصبح المعيار الحقيقي لقوة الدولة هو مرونتها: كيف تدير الأزمة، وكيف تحمي مواطنيها، وكيف تحافظ على استمرارية مؤسساتها، وكيف تعود إلى مسارها الطبيعي
وقد اكتسبت الدولة الأردنية مناعتها من مصادر راسخة تمتد إلى لحظة النشوء الأولى، وفي مقدمتها القيادة الهاشمية بما تحمله من شرعية دينية متجذّرة في النسب الهاشمي، وشرعية قومية نابعة من إرث الثورة العربية الكبرى ومشروعها النهضوي. وقد شكّلت هذه الشرعية المزدوجة ركيزة استقرار نادرة في محيط عرف تقلبات حادة في أنظمة الحكم وتوجهاتها. ويُضاف إلى ذلك دستور راسخ نظّم العلاقة بين السلطات وحدّد الحقوق والواجبات، ومؤسسات دولة عريقة راكمت خبرتها عبر عقود، وفي طليعتها القوات المسلحة الأردنية وجهازي المخابرات العامة والامن العام، التي بنت سمعتها على الاحترافية والانضباط والولاء للوطن وقيادته.
بيد أن هذه المناعة لم تكن يوماً بمنأى عن الاختبار. فالبعد الجيوسياسي للأردن وضعه في قلب العاصفة على الدوام، إذ يقع في وسط إقليم ملتهب تتقاطع فيه الصراعات وتتنازع فيه المشاريع الإقليمية والدولية. كما أن ارتباطه العضوي والتاريخي بالقضية الفلسطينية، بوصفها قضية مركزية للدولة الأردنية، وما يترتب على ذلك من مواقف ومسؤوليات، جعله عرضة لضغوط وتحديات متواصلة. ومن أخطر هذه التحديات محاولات المتربصين العبث بالنسيج الوطني والتشكيك في اللحمة الوطنية، سعياً إلى إضعاف الجبهة الداخلية بوصفها خط الدفاع الأول. إلا أن مناعة الدولة أحبطت هذه المخططات قبل أن تبلغ غاياتها، وحين نفذ بعضها عبر بوابة الإرهاب أو الفتنة، برزت مرونة الدولة في احتوائه وإنهائه، فلم يتحول إلى تهديد يمسّ المصالح العليا للدولة أو يزعزع استقرارها. وقد واجهت الدولة العمليات الإرهابية التي استهدفتها بعقل الدولة لا بعاطفتها، وبنهج مؤسسي متماسك أفشل غايات منفذيها، فخرج الأردن منها أكثر صلابة وأمتن لحمة.
ولم يقتصر الاختبار على التهديدات الداخلية، بل امتد إلى تداعيات الصراعات الإقليمية التي فرضها الموقع الجغرافي. وكان آخرها ما شهدته المنطقة خلال المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حين تعرض الفضاء الأردني لمحاولات خرق متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي هذا الاختبار تجلت المناعة والمرونة معاً: مناعة تمثلت في جاهزية سلاح الجو الملكي ومنظومات الدفاع الجوي التي تصدّت للأجسام المخترقة ضمن اختصاصها الدفاعي، ومرونة ظهرت في إدارة الموقف داخلياً عبر تواصل واضح وإعلام رسمي مسؤول، وتوجيهات للمواطنين حفاظاً على السلامة العامة، ودعوات لعدم الانجرار وراء الشائعات. وطوال تلك المرحلة، حافظ الأردن على ثابت لا يتبدّل: أن أراضيه وأجواءه ليست ساحة لصراعات الآخرين، وأن سيادته غير قابلة للمساومة تحت أي ظرف. ولعل المقياس الأصدق لمرونة الدولة أن تمضي الحياة فيها بشكل طبيعي أثناء الحدث وبعده، فالدولة التي تواصل مؤسساتها عملها، وتنتظم فيها شؤون الناس اليومية دون انقطاع أو ارتباك، هي دولة عالية المرونة، لا تسمح للتحدي بأن يتحول إلى تهديد. وهذا تحديداً ما يلاحظه المتابع للشأن الداخلي الأردني، إذ ظلت عجلة الحياة تدور بانتظام رغم ما يحيط بالمملكة من أزمات وتوترات.
إن التجربة الأردنية تقدّم نموذجاً لدولة لم تتكئ على المناعة وحدها، ولم تكتفِ بالمرونة عند وقوع الأزمات، بل جمعت بينهما في معادلة متوازنة: مناعة تستند إلى شرعية القيادة الهاشمية الحكيمة بقيادة جلالة الملك ودائما على يمينه سمو ولي العهد، ومتانة الدستور وقوة المؤسسات وتماسك المجتمع المحب لأرضه وقيادته، ومرونة تقوم على الكفاءة والاحتراف والتعامل العقلاني مع الأحداث. وفي إقليم لا تهدأ عواصفه، تبقى هذه المعادلة الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة الأردنية واستقرارها، وقدرتها على تحويل التحديات إلى مصادر قوة إضافية.



التعليقات مغلقة.