صحيفة الكترونية اردنية شاملة

من مضيق هرمز إلى الأمن السيبراني: خريطة المخاطر الاستراتيجية للأردن

أحمد عبد الباسط الرجوب
يمر العالم بمرحلة استثنائية تتداخل فيها الأزمات الصحية والاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية، لتعيد تشكيل مفهوم الأمن الوطني وأولويات الدول. وفي قلب هذه التحولات، يواصل الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة ومؤسساته الوطنية، ترسيخ نهجه القائم على الاعتدال والاستقرار والاستجابة الواعية للمتغيرات، مستندًا إلى خبرة تراكمية في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية.
فمن جائحة كورونا (كوفيد-19) إلى حرب غزة، وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز واضطراب الملاحة فيه، تتأكد حقيقة استراتيجية مفادها أن قوة الدول لم تعد تُقاس بمواردها التقليدية وحدها، بل بقدرتها على استشراف المخاطر، وتنويع خياراتها، وتعزيز مناعتها الوطنية.

أولًا: من جائحة كورونا إلى أزمات الإقليم

شكلت جائحة كورونا اختبارًا عالميًا لقدرة الدول على حماية مجتمعاتها وضمان استمرارية الخدمات وسلاسل الإمداد. وقد أظهر الأردن خلال تلك المرحلة قدرة مؤسساته على التعامل مع الظروف الاستثنائية، بما عزز أهمية التنسيق الوطني والاستعداد للطوارئ.

واليوم، تضيف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اضطرابات في مضيق هرمز، أبعادًا جديدة للمخاطر الاقتصادية والأمنية، خصوصًا مع ارتباط الأسواق العالمية بحركة الطاقة والتجارة البحرية.

وبالنسبة للأردن، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين واحتمالات اضطراب الإمدادات تبرز أهمية مواصلة تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتطوير البدائل اللوجستية، بما يدعم استقرار الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف.

ثانيًا: الأمن السيبراني وتعزيز السيادة الرقمية

أصبحت الحروب الحديثة تتجاوز الحدود الجغرافية إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تمثل البيانات والبنية التحتية الرقمية عناصر أساسية للأمن الوطني.

وفي ظل التقدم الذي يشهده الأردن في التحول الرقمي والخدمات الحكومية الإلكترونية، تتعاظم أهمية تطوير منظومة الأمن السيبراني، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز حماية المؤسسات والقطاعات الحيوية.

إن الاستثمار في السيادة الرقمية يشكل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التحديث، ويمنح الدولة أدوات إضافية لحماية مصالحها وضمان استمرارية خدماتها في مختلف الظروف.

ثالثًا: الأمن المائي والتحول المناخي العادل

تظل التغيرات المناخية وندرة المياه من أبرز التحديات الاستراتيجية طويلة المدى التي تواجه الأردن، في ظل محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على المياه والطاقة.

وتبرز هنا أهمية المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة والتقنيات الزراعية الحديثة.

ويشكل التحول نحو الاقتصاد الأخضر فرصة لتعزيز الاستدامة الاقتصادية وخلق فرص العمل وجذب الاستثمارات، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية وضمان استفادة مختلف شرائح المجتمع من عوائد التنمية.

رابعًا: الاستقرار المالي وتعزيز الاقتصاد الإنتاجي

تؤكد الأزمات العالمية المتلاحقة أهمية المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي، باعتباره ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذا السياق، تمثل رؤية التحديث الاقتصادي إطارًا وطنيًا مهمًا لتعزيز النمو والاستثمار والتنافسية، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية.

كما تبرز أهمية مواصلة تحسين كفاءة الإنفاق، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، والاستثمار في التكنولوجيا والصناعات ذات القيمة المضافة، بما يدعم فرص التشغيل ويعزز قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة الصدمات الخارجية.

خامسًا: تكنولوجيا الفضاء والسيادة المعلوماتية

في عصر أصبحت فيه المعلومات الدقيقة أساسًا للتخطيط واتخاذ القرار، تتزايد الأهمية الاستراتيجية لتكنولوجيا الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد.

ويمتلك الأردن كفاءات علمية وشبابية واعدة يمكن البناء عليها لتطوير تطبيقات فضائية تخدم إدارة الموارد المائية والزراعية والبيئية، ومراقبة التغيرات المناخية، ودعم الاستجابة للكوارث.

ومن شأن توسيع الشراكات البحثية والتكنولوجية، ودراسة تطوير أقمار صناعية صغيرة، أن يعزز القدرات الوطنية في إنتاج البيانات وتحليلها وتوظيفها لخدمة التنمية والأمن الوطني.

سادسًا: من الاستجابة للأزمات إلى صناعة المستقبل

إن ما يميز التجربة الأردنية هو قدرتها على الحفاظ على الاستقرار وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد، بفضل حكمة القيادة الهاشمية وتماسك المؤسسات ووعي المجتمع.

وتتيح هذه المقومات فرصة لتعميق نهج التخطيط الاستباقي، وتعزيز التكامل بين السياسات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتطوير أدوات استشراف المستقبل وإدارة المخاطر.

كما تمثل الدبلوماسية الأردنية المتوازنة رصيدًا استراتيجيًا مهمًا في بناء الشراكات الدولية وتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي، وحماية المصالح الوطنية في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

الخلاصة: عقد التحول وتعزيز المنعة الوطنية

إن الدروس الممتدة من جائحة كورونا إلى حرب غزة والحرب على إيران وأزمة مضيق هرمز تؤكد أن العالم يدخل مرحلة تتطلب مرونة استراتيجية وقدرة مستمرة على التكيف.

ويمتلك الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الراسخة وطاقاته البشرية، مقومات مهمة لمواصلة مسيرة التحديث وتعزيز الاستقرار وتحويل التحديات إلى فرص.

فالعقد القادم ليس مجرد مرحلة لمواجهة المخاطر، بل فرصة لترسيخ نموذج أردني يجمع بين الأمن والتنمية والتكنولوجيا والعدالة الاجتماعية.

ومن هنا، فإن صناعة المستقبل الأردني تبدأ بتعزيز المنجزات الوطنية، والاستثمار في الإنسان، وتوسيع الخيارات الاستراتيجية، بما يرسخ مكانة الأردن دولةً مستقرةً وقادرةً على التكيف والتقدم في عالم تتسارع تحولاته.

التعليقات مغلقة.