صحيفة الكترونية اردنية شاملة

التصدير صعد.. والامتحان في الهامش

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

تتحسن الصورة الخارجية للاقتصاد الأردني، لكن قراءة الرقم المجرد لا تكفي. فقد بلغت الصادرات الكلية خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 نحو 7.464 مليار دينار، بارتفاع 11.2%، وانخفض العجز التجاري 9.6% إلى 5.830 مليار دينار. وفي الوقت نفسه، بلغت السيولة الفائضة بالدينار لدى البنك المركزي 7.067 مليار دينار في 28 تشرين الأول، مع استقرار سعر الإقراض بين البنوك عند 5.85%.

هذه المؤشرات تمنح الاقتصاد مساحة اطمئنان، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: هل يصل هذا التحسن إلى هامش الربح والسيولة والقدرة على التوسع داخل المنشأة؟ فالرقم الكلي لا يموّل مخزون مصنع، ولا يغطي كلفة شحنة مؤمنة، ولا يحوّل عقد تصدير محتمل إلى إنتاج فعلي.

السيولة الفائضة تعني أن الجهاز المصرفي يملك مساحة حركة، وتدعم استقرار السوق النقدي. لكنها لا تعني تلقائياً أن المنشأة الصغيرة أو المتوسطة تستطيع تمويل المادة الخام أو المخزون أو الفترة الفاصلة بين شحن البضاعة وتحصيل قيمتها. بين توفر الأموال في القطاع المالي ووصولها إلى دورة الإنتاج فجوة تتصل بكلفة التمويل، وشروط الضمان، ومدة السداد، وقدرة المنشأة على إثبات تدفقاتها النقدية وعقودها.

لذلك لا يحتاج الأردن إلى ائتمان رخيص ومفتوح للجميع؛ فذلك قد يرفع مخاطر التعثر ويوجه الموارد إلى استخدامات لا تضيف إنتاجاً أو صادرات. المطلوب تمويل أدق: رأس مال عامل يتوافق مع دورة الإنتاج والتحصيل، وتمويل للفواتير وعقود التصدير، وضمانات جزئية للمشروعات القادرة على النمو. فالقرض المنتج ليس قرضاً أكبر، بل تمويل يرتبط بنتيجة قابلة للقياس.

وفي التجارة الخارجية، تبدو الصورة إيجابية لكنها تحتاج إلى تفكيك. فقد ارتفعت الصادرات الوطنية 6% لتبلغ 6.464 مليار دينار، بينما قفزت إعادة التصدير 63.4% إلى مليار دينار. وهذا التطور يدعم التجارة والخدمات اللوجستية، لكنه لا يساوي بالضرورة توسعاً بالقيمة ذاتها في الإنتاج المحلي أو في الطاقة التشغيلية للمصانع.

إعادة التصدير نشاط اقتصادي مهم للموانئ والنقل والخدمات التجارية، لكنها لا تقترن تلقائياً بزيادة مماثلة في القيمة المضافة المحلية. أما الصادرات الوطنية، فهي الاختبار الأوضح لتنافسية الاقتصاد: جودة المنتج، وكلفة الطاقة، وسرعة التخليص، وكفاءة النقل، والالتزام بالمواصفات، وقدرة المنشأة على الحفاظ على العميل والسوق.

وتبرز الصناعة بوصفها المحرك الأساسي لهذا الاختبار. فقد بلغت صادرات الصناعة الأردنية 6.04 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بارتفاع 8.3% عن الفترة نفسها من العام الماضي. وهذه نتيجة تؤكد أن الصناعة تشكل القاعدة الرئيسية للتصدير، لكن نجاحها لا يقاس بقيمة الشحنات وحدها؛ بل بنسبة المدخلات المحلية في المنتج، واستمرار العقود، وقدرة المصنع على تمويل مخزونه، وعدد الموردين الأردنيين الذين يدخلون في سلسلة القيمة.

انخفاض العجز التجاري خبر جيد، لكنه لا يلغي ضغط كلف الطاقة والمواد الخام والشحن والتأمين والفائدة. وقد تسجل المنشأة نمواً في المبيعات، بينما تتراجع قدرتها على التوسع بسبب طول دورة التحصيل أو ارتفاع كلفة رأس المال العامل. لذلك، فإن تحويل تحسن التجارة إلى نمو مستدام يتطلب تخفيض كلفة الدورة الإنتاجية كاملة، لا الاكتفاء بتحسن الأرقام الكلية.

الأولوية الآن هي ربط التمويل بالنتيجة الاقتصادية: كم عقد تصدير موّل؟ كم مخزوناً إنتاجياً دعم؟ كم مورداً محلياً أضاف؟ وكم خفض من فاتورة الاستيراد؟ بهذه المعايير فقط نعرف إن كانت السيولة تعمل للاقتصاد أم تبقى رقماً مريحاً في لوحة المؤشرات.

يمتلك الأردن اليوم مؤشرات أكثر تماسكاً: سيولة مصرفية مستقرة، صادرات متنامية، وعجز تجاري أقل. لكن الاختبار الفعلي يبدأ بعد صدور الأرقام: حين تتحول إلى منشأة قادرة على الإنتاج، ومصدّر يستطيع الاحتفاظ بسوقه، وتمويل يصل إلى النشاط الذي يصنع قيمة مضافة.

التعليقات مغلقة.