صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الفوسفات: الكفاءة تُحصّن التصدير

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

ليس كل نمو في الصادرات يبدأ من سوق جديد. أحياناً يبدأ من طنّ يستهلك طاقة أقل، أو خط إنتاج لا يتوقف، أو منتج يتحول من مادة أولية إلى سماد ذي قيمة أعلى.

هذه هي المعادلة التي تضع الفوسفات الأردني في موقع مختلف. فخلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، ارتفعت مبيعات شركة مناجم الفوسفات الأردنية بنسبة 7.9% لتبلغ 1.101 مليار دينار، فيما بلغ صافي الربح 315.1 مليون دينار. وهي أرقام تؤكد متانة القطاع وقدرته على المحافظة على أدائه التصديري رغم تعقيدات الأسواق العالمية.

القاعدة الإنتاجية أيضاً واضحة. فقد بلغ إنتاج الفوسفات الجاف في عام 2025 نحو 12.14 مليون طن، فيما أنتج مجمع العقبة الصناعي 716.6 ألف طن من سماد ثنائي فوسفات الأمونيوم «DAP»، ونحو 297 ألف طن من حامض الفوسفوريك، إلى جانب منتجات صناعية أخرى. وبلغت المبيعات التصديرية للمجموعة نحو 2.214 مليار دولار في العام الماضي.

هذه الأرقام تعني أن الفوسفات لم يعد قصة تعدين فقط، بل سلسلة صناعية تمتد من المنجم إلى الأسمدة والأحماض والمنتجات الموجهة للأسواق العالمية. والقيمة القادمة لا تتوقف عند زيادة الكميات، بل في رفع كفاءة هذه السلسلة وتحسين العائد من كل طن.

لهذا تتجه الصناعة الحديثة إلى خمسة مسارات مترابطة: تحسين كفاءة العمليات، وترشيد استخدام الطاقة، وتطوير الصيانة الذكية، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع معايير السلامة والاستدامة. هذه المسارات ليست عناوين تقنية؛ بل أدوات اقتصادية مباشرة.

كفاءة الطاقة تعني خفض كلفة الإنتاج وتعزيز تنافسية المنتج الأردني. والصيانة التنبؤية تقلل التوقفات المفاجئة وتحافظ على انتظام التسليم للعملاء. أما التحول الرقمي، فيمنح الإدارة قدرة أسرع على قراءة بيانات الإنتاج والجودة والاستهلاك واتخاذ القرار قبل أن تتحول الملاحظة الصغيرة إلى تكلفة كبيرة.

وفي قطاع مثل الفوسفات، يمكن للذكاء الاصطناعي والمحاكاة الصناعية أن يسهما في رفع موثوقية المعدات، وتحسين استهلاك المواد والطاقة، وتحديد الاحتياجات الفعلية للصيانة. وهنا لا تكون التكنولوجيا هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لرفع إنتاجية المصنع، وتطوير مهارات العاملين، وتحسين موقع المنتج الأردني في الأسواق.

كما أن التوسع في المنتجات التحويلية يفتح باباً أوسع للقيمة المحلية. فكل زيادة مدروسة في تصنيع الأسمدة والأحماض والمنتجات المتخصصة تعني قيمة مضافة أعلى، وفرصاً أكبر للتشغيل والخدمات الهندسية والنقل والصيانة والبحث والتطوير.

المرحلة المقبلة يمكن أن تبنى على مؤشرات عملية وواضحة: كمية الطاقة المستخدمة لكل طن، نسبة المنتجات التحويلية في المبيعات، انتظام التشغيل، نمو الصادرات ذات القيمة الأعلى، ومساهمتها في تدفقات العملات الأجنبية.

الفوسفات مورد وطني استراتيجي، لكن قوته الاقتصادية لا تتحدد بما في الأرض وحده. قوتها الحقيقية في مصنع أكثر كفاءة، ومنتج أكثر قيمة، وصادرات أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق والاستمرار فيها.

التعليقات مغلقة.