فائض الزيت: قرار قبل المعصرة
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
تتوقع وزارة الزراعة إنتاج نحو 30 ألف طن من زيت الزيتون في موسم 2026/2027، فيما تراوح حاجة السوق المحلية بين 24 و25 ألف طن، بما يتيح فائضاً أولياً يراوح بين 4 و5 آلاف طن للتصدير بعد تأمين الاحتياجات المحلية.
هذه ليست أزمة فائض؛ فالإنتاج ما زال تقديراً أولياً، ولا يمكن حسم حجم الكميات القابلة للتسويق أو التصدير قبل انتهاء العصر والحصر الفعلي. لكنها لحظة قرار اقتصادية لا ينبغي تأجيلها إلى ما بعد تراكم الزيت في المستودعات.
بلغت صادرات زيت الزيتون الأردني نحو 3,033 طناً في عام 2024
وإذا اقترب فائض الموسم من 4 أو 5 آلاف طن، فإن سقف المهمة التصديرية سيرتفع فوق ما تحقق في ذلك العام. وهنا لا تعود المسألة متصلة بقدرة المعاصر على استيعاب المحصول، بل بقدرة السوق على تحويل فائض محتمل إلى عائد تصديري.
التسويق المحلي، بما فيه الحملة الوطنية الرابعة عشرة التي أطلقتها وزارة الزراعة، مهم لتوسيع وصول المنتج إلى المستهلك، لكنه لا يكفي وحده لإدارة فائض محتمل بهذا الحجم. فالجزء المخصص للتصدير يحتاج إلى عقود مسبقة، وعبوات مناسبة، وفحوص جودة معتمدة، وقدرة على إثبات المنشأ ومسار الإنتاج.
الجودة في هذا السياق ليست ملف رقابة منفصلاً عن الاقتصاد. هي ما يحدد إن كان الزيت يُباع في سوق خارجي كمادة غذائية عامة، أم كمنتج أردني موثق قادر على الحصول على سعر يعكس منشأه ومواصفاته. وكل زجاجة غير مطابقة أو مجهولة المصدر لا تهدد مبيعاً فردياً فقط؛ بل ترفع كلفة السمعة على المنتجين الذين استثمروا في الجودة وعلى الدولة التي تسعى إلى توسيع صادراتها الغذائية.
المخاطرة الحقيقية تكمن في إدارة الكمية والجودة والتسويق كملفات منفصلة. فعندما لا ترتبط تقديرات الإنتاج بالكميات المعصورة، ولا ترتبط الكميات المعصورة بنتائج الفحص والتتبع، تتأخر القرارات التجارية حتى يصبح فائض السوق أمراً واقعاً.
ولهذا تبرز الحوكمة بوصفها أداة اقتصادية لا إدارية. فالحوكمة تعني أن تستند قرارات التصدير والتخزين والتسويق المؤسسي إلى سجل واحد يوضح الإنتاج الفعلي، والاستهلاك المحلي، والكميات المطابقة للمواصفة، والكميات الجاهزة للتعاقد الخارجي. بهذه الطريقة، تصبح المعلومة أساساً للتصرف المبكر، لا تقريراً يصدر بعد انتهاء الموسم.
مشروع «آفاق اقتصاد الزيتون» البالغ 4 ملايين دولار يوفر أداة مناسبة لهذه اللحظة، لأنه يتضمن التتبع الرقمي، وخرائط البساتين، وتحسين الجودة، ورفع جاهزية التعاونيات والمنشآت الصغيرة للوصول إلى الأسواق والتمويل. قيمته الحقيقية لن تكون في عدد الأنشطة المنفذة، بل في قدرة القطاع على توثيق الزيت القابل للتصدير وربطه بمزارعه ومعصرته وفحصه ومساره التجاري.
فائض الزيت، إن تحقق، ليس رقماً زراعياً زائداً. إنه فرصة نقد أجنبي مشروطة بالقرار المبكر. والفرق بين فائض يضغط السعر وفائض يوسع التصدير يبدأ قبل المعصرة: في جودة الثمرة، وتوثيق المصدر، وحوكمة المعلومة، وتجهيز السوق الذي سيشتريها.



التعليقات مغلقة.