صحيفة الكترونية اردنية شاملة

خطاب العرش من التوجيه إلى التنفيذ

العين حسين الحواتمة

تكتمل قيمة الخطاب السياسي حين تتحول مضامينه إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. ومن هنا جاء خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، بعد أيام من الاعتداء الإرهابي في الكرك، ليضع أمام مؤسسات الدولة مسؤولية واضحة: أن تكون مصلحة الأردني في صلب كل قرار لا على هامشه. والسؤال اليوم ليس ماذا قال الخطاب فقط، بل “كيف تتحول توجيهاته إلى عمل مؤسسي ملموس؟”.

يبدأ الجواب من المستوى السياسي، حيث يصدر جلالة الملك توجيهه عبر كتب التكليف السامية، أو في المناسبات الدستورية كخطاب العرش، أو كلما اقتضت الحاجة. وهذا التوجيه خارطة طريق لا تدخل في التفاصيل؛ فحين يقول جلالته إن الأمن المائي أولوية لا مساومة فيها، فهو يحدد الغاية ومستوى الأهمية، ويترك للمؤسسات ابتكار الوسائل. وهو يخاطب المواطن شريكاً لا متلقياً، لأن الغاية تحقيق المصالح العليا للدولة الأردنية دون التأثر بالتحديات التي يفرضها الوضع الجيوسياسي الإقليمي غير المريح، والمطلب الوطني الذي رافق نشأة الدولة المتمثل بالعدالة والحياة الكريمة، حقوقاً وواجبات ضمن إطار الدستور.

ثم يأتي المستوى الاستراتيجي، الذي تمثله رئاسات السلطات الثلاث، فتحوّل التوجيه إلى استراتيجية أو تدمجه في الاستراتيجيات القائمة. وهنا تبرز قوة الاستراتيجية في مرونتها: أن تستوعب المتغيرات دون أن تغيّر أهدافها مع كل طارئ والتعديل يكون على الوسائل والطرق وتوقع النتائج. لذلك لم يطلب الخطاب رؤية اقتصادية جديدة، بل دعا إلى التسريع في إنجاز مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي القائمة.

أما المستوى التنفيذي فتتوزع فيه الأدوار على الوزارات والمؤسسات حسب اختصاصها، على قاعدة التكامل لا التنافس. فالأمن المائي على سبيل المثال لا تحققه وزارة المياه وحدها، بل يحتاج إلى المالية والتخطيط والزراعة والبلديات والتشريع وفرض سيادة القانون معاً. وهنا يتحول الهدف العام إلى برامج تنفيذية، ومسؤوليات محددة بالاسم، وجهات رقابية مستقلة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

فالخطة التي لا تُقاس لا تُدار. والمعيار الحقيقي ليس حجم الإنفاق بل النتائج، والإطار الزمني جزء من النجاح لا تفصيل إداري، فمشروع يتأخر حتى تتغير ظروفه قد يفقد جدواه. ونشر النتائج دورياً يتيح للمواطن متابعة ما أُنجز وما تأخر، ويمنح مجلس الأمة أداة رقابة موضوعية.

وبتطبيق هذا النموذج على الخطاب تتضح الخطوات العملية. ففي المياه: جدول زمني معلن لكل مشروع، وجهة تنسيق واحدة، ومؤشرات للفاقد وحصة الفرد. وفي المشاريع الكبرى: إزالة العقبات الإجرائية والتشريعية ضمن سقف زمني، وقياس النجاح بفرص العمل لا بتوقيع الاتفاقيات. وفي الوظيفة العامة، حيث أكد جلالته أن القانون لا يعرف اسماً أو منصباً أو نفوذاً: ربط تقييم المسؤولين بمؤشرات منشورة، ومساءلة على النتائج لا على الأشخاص. وفي مجلس الأمة: رقابة تُبنى على المؤشرات والأطر الزمنية لا على الانطباعات.

إن الفجوة بين التوجيه والإنجاز لا تُسدّ بالنوايا الحسنة، بل بمنهجية واضحة. وقد ختم جلالة الملك خطابه برهانه على الأردني ووعيه وإخلاصه، والوفاء بهذا الرهان مسؤولية المؤسسات أولاً. فالخطاب رسم الطريق، وبقي أن نسير عليه

التعليقات مغلقة.