إستونيا واختبار القدرة الرقمية الأردنية
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
تكتسب زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى إستونيا أهميتها من مضمونها وتوقيتها، لا من العروض التقنية التي تخللتها فقط. فالزيارة جاءت في وقت تتسارع فيه كلفة التحول الرقمي، وتتسع مخاطر الأمن السيبراني، وتتحول فيه المسيّرات والذكاء الاصطناعي إلى أدوات مؤثرة في حماية الحدود والخدمات وسلاسل الإمداد.
برنامج الزيارة عكس هذا التحول بوضوح. ففي تالين، بحث سموه التعاون في مسرعات الأعمال وتسويق الأبحاث وربط الشركات الناشئة، واطلع على تجربة الخدمات الحكومية الرقمية وتبادل البيانات بشكل آمن. وفي مقاطعة يارفا، تابع عروضاً لمنظومات الطائرات المسيّرة والأنظمة المضادة لها، وحلول المراقبة الجوية والاستخبارات الميدانية ومنصات مراقبة الحدود المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لكن أهمية الزيارة لا ينبغي أن تقاس بالتقنيات المعروضة، بل بالعائد الاقتصادي الذي يمكن أن تولده. فبحسب بيانات هيئة الإحصاء الإستونية، بلغت صادرات إستونيا إلى الأردن 3.12 ملايين يورو في عام 2025، فيما بلغت وارداتها من الأردن 960 ألف يورو، أي أن تجارة السلع بين البلدين لم تتجاوز 4.08 ملايين يورو. وهذه الأرقام، رغم أنها لا تشمل الخدمات أو الاستثمار، تكشف أن العلاقات الاقتصادية الثنائية ما تزال تنطلق من قاعدة محدودة، وأن المجال الأوسع للتعاون قد يكون في الخدمات الرقمية والتكنولوجيا والاستثمار المشترك.
إستونيا تقدم نموذجاً مهماً في هذا الاتجاه. فقد بلغت صادرات خدماتها 13.95 مليار يورو في عام 2025، فيما بلغت القيمة المضافة لقطاع المعلومات والاتصالات 2.72 مليار يورو في عام 2024. ويضم مجمع «تكنوبول» الذي زاره سمو ولي العهد أكثر من 200 شركة تعمل في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والصحة الرقمية وتقنيات الدفاع. وهذه المؤشرات تعكس بيئة لا تفصل بين التكنولوجيا والسوق، ولا بين البحث العلمي واحتياجات الدولة.
بالنسبة للأردن، فإن الفرصة لا تكمن في استيراد حلول جاهزة، بل في ربطها بمسار اقتصادي محلي. فالخدمات الحكومية الرقمية يمكن أن تخفض كلفة المعاملة وزمن إنجازها وتحسن بيئة الأعمال. والأمن السيبراني يحمي استمرارية الخدمات والبيانات ويقلل كلفة التعطل والمخاطر التشغيلية. أما ربط الشركات الناشئة الأردنية بمنظومات الابتكار الأوروبية، فيمكن أن يمنحها طريقاً أوضح إلى التمويل والخبرة والأسواق.
القيمة لا تتحقق بمجرد توقيع مذكرة تفاهم. فالتقنية التي لا تنقل معرفة، ولا تمنح الشركات الأردنية دوراً في التشغيل والتطوير، ولا تخضع لحوكمة واضحة للبيانات، تبقى كلفة مستوردة. أما التقنية التي تنشئ كفاءات محلية، وتدعم البحث التطبيقي، وتتحول إلى خدمة قابلة للبيع والتصدير، فتدخل في صلب القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
ومن هذه الزاوية، تكتسب دعوة سمو ولي العهد لتشكيل وفد اقتصادي من رجال الأعمال الإستونيين لزيارة المملكة أهمية عملية. المطلوب أن يرافقها ملف استثماري واضح يتضمن مشروعات محددة في الخدمات الرقمية، والأمن السيبراني، والصحة الرقمية، وربط الجامعات والحاضنات والشركات الناشئة، مع شركاء أردنيين وفرص سوق قابلة للتنفيذ.
ولم تتضمن البيانات الرسمية المنشورة عن الزيارة إعلان اتفاق دفاعي أو استثماري محدد، ولذلك فإن الحكم على نتائجها الآن سيكون سابقاً لأوانه. لكنها فتحت مساراً يمكن أن ينقل العلاقة من تجارة محدودة إلى شراكات تقوم على المعرفة والاستثمار والخدمات ذات القيمة المضافة.
الاختبار الحقيقي سيكون في ما يلي الزيارة: هل تتحول اللقاءات إلى مشروعات، والمشروعات إلى وظائف وخدمات أفضل وصادرات جديدة؟ عندها فقط يصبح العرض التقني مدخلاً إلى سوق أردني أكثر قدرة على إنتاج التقنية، لا مجرد استهلاكها



التعليقات مغلقة.