صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الملكة رانيا… حين تُضيء الحقيقة أكثر من الشاشة

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

في خطابها أمام قمة «عالم شاب واحد» في كيب تاون، وجّهت جلالة الملكة رانيا العبدالله رسالة تتجاوز التحذير من سطوة منصات التواصل، إلى تحديد مسؤولية الجيل الجديد في زمن التضليل: «Look at the reports, not just reels»؛ انظروا إلى التقارير، لا إلى المقاطع السريعة فحسب.

ليست الدعوة إلى هجر الشاشات، بل إلى عدم تسليم الوعي لها. فالمقطع القصير ينقل لحظة وقد يوقظ التعاطف، لكنه لا يحيط دائماً بالسياق، ولا يحدّد المسؤولية، ولا يكشف ما وراء الصورة من حقائق قانونية وإنسانية. أما التقارير الموثقة، فتضع الحدث في إطاره، وتفصل بين الانطباع والدليل، وبين الرواية والواقع.

في زمن الضجيج، تُختزل الحقائق في ثوانٍ، وتتحول المأساة أحياناً إلى مادة تنافس على المشاهدة. وهنا تكتسب رسالة الملكة معناها الأهم: العدالة لا تُبنى على ما يحقق انتشاراً أكبر، بل على ما تثبته الوقائع. لذلك، لا يكفي أن يتأثر الشباب بما يرونه؛ عليهم أن يسألوا عن المصدر، وأن يقرأوا التقارير الحقوقية والبيانات الموثقة، وأن يتحققوا من الادعاءات قبل تبنيها أو نشرها.

في فلسطين، لا تكفي صورة الألم وحدها، مهما بلغت قسوتها. فالصورة تحتاج إلى أن تُقرأ في ضوء الحق في حماية المدنيين، وإتاحة وصول الغذاء والماء والدواء، ورفض التهجير القسري والعقاب الجماعي. ولا ينبغي أن تُترك هذه المبادئ رهناً للمزاج السياسي أو لمعادلة القوة، لأنها التزامات قانونية وإنسانية لا تتغير تبعاً لهوية الضحية أو الطرف المسؤول.

ولهذا، فإن رسالة جلالتها إلى الشباب ليست دعوة إلى غضب منفلت، بل إلى وعي منظم وقادر على التأثير. فالغضب من الظلم ليس ضعفاً، لكنه لا يصبح قوة عامة إلا حين يستند إلى معرفة دقيقة، وحين يستطيع صاحبه أن يميّز بين الخبر والرأي، وبين الدليل والدعاية، وبين التعاطف الصادق والاستغلال الإعلامي للمشاعر.

يمتلك هذا الجيل أدوات استثنائية: الوصول إلى المعلومات، والقدرة على التحقق، والتواصل عبر الحدود، وصناعة رأي عام مؤثر. لكن الأدوات لا تصنع أثراً بذاتها؛ فقيمتها تتحدد بما يُبنى عليها. فالوعي الذي يكتفي بالعناوين والمقاطع السريعة يظل عرضة للتوجيه، فيما يصبح الوعي القائم على البحث والتدقيق أداة حقيقية للمساءلة والضغط.

قدّمت جلالة الملكة رانيا العبدالله في كيب تاون نموذجاً لدبلوماسية واضحة لا تساوم على الحقائق ولا تختبئ خلف العبارات العامة. لم تطلب تعاطفاً مؤقتاً مع فلسطين، بل دعت إلى موقف واعٍ يعرف لماذا يتضامن، وعلى أي أساس قانوني وإنساني يقف.

فالحرية والعدالة ليستا منّة تمنحها القوى الكبرى، ولا مكافأة تؤجَّل إلى حين. إنهما حقان أصيلان لا يقبلان التجزئة. ورسالة الملكة إلى الجيل الجديد واضحة: ابحثوا عن الحقيقة كاملة، واقرأوا ما وراء الشاشة، واجعلوا المعرفة أداة ضغط في وجه التهميش والصمت.

التعليقات مغلقة.