في ذكرى الحرب الكورية
كنت على متن طائرة متوجهة إلى مونتريال وأنا غارق في كتاب عن كوريا الشمالية بقلم رجل حزبي رفيع المستوى هرب من نظام «كيم»، واسم الرجل «جانج جين سونغ»، وعنوان الكتاب «القائد العزيز». أما لماذا هرب فهي قصة ملحمية بحد ذاتها، ولكن الرجل يذكر أنه كان في قسم خطير للدعاية ضد كوريا الجنوبية اسمه «الجبهة الموحدة»، ومهمتها الكذب عن الوضع في كوريا الجنوبية على جمهور محروم من المعلومات. وكان الحزب يضع بين أيديهم المصادر من كوريا الجنوبية، وهم يطلعون بدقة على المعلومة ثم يحرفونها حسب ما يريدون.
وشاءت المصادفة أن الكتاب الذي يوضع تحت تصرفه، والذي يجب ألا يفارق المكان إلا بإذن خاص، أعاره لصديق حميم أضاعه في القطار، ولكن عيون الحزب ضبطت ما حصل فهي في كل مكان، وفي التحقيق معه عرف أن الإعدام مصيره ورفيقه فهربا باتجاه الشمال إلى الصين، لأن رحلة الجنوب متعذرة.
وفي طريق العبور إلى الصين كانت بانتظارهم رحلة عذاب مضنية، في جو بارد دفعهم للنوم في العراء أحياناً. ولم ينجح الاثنان في الهرب معاً فقد مات صديقه المقرب «مستعير الكتاب» أما هو فنجا لحسن حظه، وعرض خبرته الرهيبة على صحفي من كوريا الجنوبية فكانت بداية النجاة.
كنت أظن وأنا السوري الذي غسل يده من ديار «البعث» إلى يوم البعث، أن الأمور في سوريا بالوجه العدمي من الفساد والاستبداد، قد دفع سفينتها أن تغوص بأسرع من «التيتانيك» إلى قاع الفوضى، ولكن منظر كوريا الشمالية أعطاني فكرة أن الأمور يمكن أن تبلغ من السوء درجة أكثر فداحة، فهناك الجوع والمسغبة تضرب، والناس تأكل الأرز، تعد الحبات عداً، والأموات يتناثرون جثثاً في الحدائق العامة، فتأتي لجنة خاصة تلمس الجثث للتأكد من موت أصحابها، فتجمعها في عربات جر خاصة، وراتب الموظف دولاران، بقوة شرائية لخمس بيضات، ومن يسرق كيس أرز يحاكم ميدانياً ويعدم! والعقوبة حين تنزل فهي على مبدأ «المذنب» أي إلى العائلة بأكملها. وإذا أرسلت إلى معسكرات الاعتقال فهي إفناء سلالة كاملة لاسم عائلة. وكل مولود يولد على ملف أمني يسجل فيه تطوره في كل مرحلة. وحين افتقدت السجلات عن تاريخ البعض في ظروف الحرب الكورية المضطربة كلفت أصحابها القتل بدعوى التجسس والقوم لا يعرفون شيئاً عن ملفاتهم الأمنية، وقد برع النظام السوري في تتبع هذا التقليد. أما منظومة الكهرباء فهي تنقطع في كل مكان كيفما اتفق إلا تمثال «سونج» الجد فهو مضاء 24 ساعة على 24 ساعة.
أما التاريخ الميلادي والصيني والبوذي فليس له مكان بل أصبح يوم 15 أبريل عام 1912، يوم ميلاد القائد، هو أول يوم في التاريخ، فالجد «كيم إيل يونج» هو قائد الإنسانية كلها في رأيهم! ونحن الآن لسنا في شهر أغسطس من عام 2016 بل في عام 104 «سونجية». وفي حفل تصفية واحدة تم إرسال عشرين ألفاً من الأدمغة الجيدة والشخصيات المهمة إلى ساحات الإعدام، فهل نعجب من تماسك هذا النظام إلى اليوم وبكاء الجموع لموت «كيم إيل يونج»! لذا كان من الضروري بمكان تنشيط ذاكرة القارئ عن حرب كوريا من القرن الماضي، لأنها أرست نظامين، الأول زاد فيه دخل الفرد 13 مرة في ثلاثين عاماً، والثاني خسفت به الأرض ثلاثين ضعفاً فقراً وظلاماً.
الاتحاد

