إجراءات اقتصادية وقائية
الاختلالات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني معروفة لأنها بالأساس قضايا مزمنة ومتراكمة منذ عقود، لكن ما يميز هذه الفترة، خاصة السنوات الأربع الأخيرة، هو حالة التنكر لتلك التحديات، والتوهم بتحقيق إنجاز اقتصادي كبير، والحقيقة على أرض الواقع تخالف ذلك كثيرا.
لا يمكن لأي حكومة أن تحل القضايا الاقتصادية التي بدأت تداعياتها تحيط بالمملكة وتهدد استقراره، لأن الحل الكامل ليس بيد الحكومة ولا بيد المملكة، وإنما هو خليط من الإجراءات الداخلية والخارجية قد تساهم إذا ما وضعا موضع التنفيذ المنطقي أن يشكلا نواة حل يعزز الاستقرار والأمن الاقتصادي.
وقف الاقتراض الداخلي والخارجي ضمن خطة ترشيد له على سنوات محددة؛ كفيل بأن يعيد الرشد إلى واقع المديونية المؤلم، الذي تقبع تحته المملكة والذي يناهز 24 مليار دينار أو ما نسبته 93.4 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي.
لكن هل باستطاعة الحكومة أن تتوقف عن الاقتراض، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية وتنامي عجز الموازنة الذي يقارب الملياري دينار في العام الواحد؟.
على المدى القصير يكون الجواب قطعا لا، فلا يمكن لأي حكومة أن تتخلى عن الاقتراض فجأة، لكن الأمر يحتاج إلى خطة وإدارة رشيدة لملف الدين، وأولى الخطوات تكمن في بناء موازنة تقشفية تظهر الواقع الاقتصادي الحقيقي للاقتصاد الأردني، وتتكيف تدريجيا مع واقعه والتحديات التي تحيط به من كل صوب وحدب.
وبناء الموازنة الواقعية لا يكون بالشكل التقليدي الذي اعتادت الحكومات أن تقوم به، فالآلية الراهنة لا تراعي أي تحدٍ اقتصادي، وتبني على تراكمية الأخطاء السابقة دون معالجات حقيقية، وهو ما يفسر ضعف الموازنة في أن تكون خطة تنمية لا خطة إنفاق كما هي عليه الآن.
واقع النفقات الرأسمالية في الموازنة لا يعطي أي دلالة تنموية، إنما هو مؤشر إضافي للانفاق غير الرشيد في الدولة، فالحكومة ترصد في الموازنة اكثر من 1.26 مليار دينار نفقات رأسمالية ولا تحقق النمو المستهدف، لا بل على العكس يتراجع النمو إلى حدود ال2 بالمائة، ما يؤكد فشل تلك المشاريع والادارة الاقتصادية معا.
والموازنة التي لا توظف المنح التي حصلت عليها بشكل استثنائي لتعزيز النمو وخلق فرص عمل جديدة، ومكافحة الفقر والبطالة، كما حصل في أموال المنحة الخليجية (2.57) مليار دينار، هي دليل واضح على ضعف العقلية الاقتصادية للحكومة في العملية التنموية.
من أساسيات الإصلاح الاداري والمالي في الموازنة، هو الالتزام بوقف التعيينات بكافة اشكالها في القطاع العام الذي بات فعلا اليوم المستنزف الاكبر لموارد الدولة، بعد خدمة الدين العام، والاستعانة عن ذلك بالمناقلة بين أماكن الفائض الى أماكن العجز في المؤسسات الحكومية.
المطلوب أن يكون هناك موازنة تنموية تقشفية تتضمن مشاريع قادرة على خدمة الدين العام، وتتضمن مشاريع رأسمالية حقيقية ذات قيمة مضافة إلى الاقتصاد الوطني من حيث تشغيل الاردنيين واستخدام مدخلات انتاج محلية وتساهم بجلب العملات الصعبة وتزيد الصادرات وتطور الكفاءة الانتاجية.
[email protected]
[email protected]

