صحيفة الكترونية اردنية شاملة

ما يفعله الحصار بالسوريين!

0

تبدو المناطق المحاصرة في سوريا كأنها جزر مغلقة على سكانها٬ تجعلهم يعيشون وسط ظروف خاصة٬ رغم أن الوضع العام محكوم بالصراعات السياسية– العسكرية٬ التي بدأها نظام الأسد وشبيحته منذ خمس سنوات٬ قبل أن ينخرط فيها آخرون من حلفاء النظام الإيرانيين والروس والميليشيات٬ ثم فصائلالمعارضة المسلحة٬ وصولاً إلى جماعات الإرهاب والتطرف الديني والقومي من «داعش» و«النصرة» إلى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي٬ الذي تمثلقواته النواة الصلبة لميليشيات قوات الحماية الشعبية.

وعبر سنوات الصراع٬ وفي أتونه٬ تم فرض الحصار على كثير من المدن والقرى٬ أو على أحياء من هذه وتلك في عمق المحافظات السورية٬ ويقترب عددالمناطق المحاصرة في تلك المناطق من أربعين منطقة٬ الجزء الأكبر منها تحاصره قوات النظام وأنصارها على نحو ما هو قائم في دمشق٬ ومنها دارياوالمعضمية وجوبر والقابون وبرزة ومخيم اليرموك٬ وامتداًدا إلى ريفها في غوطتي دمشق الشرقية والغربية٬ ومعظم مناطق القلمون الشرقي والغربي٬ ويمتدحصار النظام وميليشياته إلى مناطق في حمص وريفها٬ من حمص القديمة إلى حي الوعر٬ إلى تلبيسة والرستن والحولة٬ وكذلك الحال في ريف حماهوبعض مناطق حلب وريفها.

ويشارك النظام «داعش» في حصار دير الزور في شرق البلاد٬ وهو يشارك قوات الحماية الشعبية في حصار مناطق في محافظة الحسكة في الشمالالشرقي٬ وتقوم الأخيرة بفرض الحصار على مناطق في الحسكة٬ وفي محافظة الرقة التي يحاصر «داعش» غالبية ريفها٬ كما يحاصر الرقة ذاتها٬ ويمتدحصاره إلى ريف حلب٬ الذي يعتبر إضافة إلى مدينة حلب النموذج الأسوأ لحالات الحصار من قبل القوى العسكرية والمسلحة٬ حيث تشارك فيها جماعاتالمعارضة المسلحة بحصار قريتي نبل والزهراء٬ إضافة إلى قرية الفوعة في ريف إدلب٬ وتحاصر قوات النظام وقوات الحماية الشعبية و«داعش» بلداتكثيرة في ريف حلب.

ورغم تعقيدات حالة حصار أكثر من مليون سوري في هذه المناطق٬ فإن تفاصيل بعض حالات الحصار تجعلها أكثر تعقيًدا من خلال تعدد القوى٬ سواء التيتحاصر المناطق٬ أو التي تتحكم في المناطق المحاصرة من داخلها. وفي المثال الأول٬ يطبق النظام والميليشيات التابعة والحليفة له سياسات متعددة ومتفاوتةالتشدد حيال المناطق المحاصرة٬ فيما تقوم بعض تنظيمات المعارضة المسلحة بفرض حصارات داخلية لأسباب «أمنية» و«سياسية» داخل المناطق التييحاصرها النظام٬ على نحو ما هو قائم في مدن وقرى غوطة دمشق الشرقية٬ مما يجعل الحصار مضاعًفا في بعض الحالات.

إن القواسم المشتركة لما يتركه الحصار على السوريين في المناطق المحاصرة تبدو في ثلاث نقاط؛ أولها منع تنقل السكان من المناطق المحاصرة وإليها٬ إلابشروط صعبة٬ وهو ما يجعل هؤلاء بمثابة أسرى أو سجناء٬ لا يملكون قرارا في بقائهم أو مغادرة تلك المناطق٬ وهم عرضة للقتل أو للخطف والاعتقال فيأي وقت٬ والنقطة الثانية أن الحصار يفرض منع دخول المواد الغذائية والطبية٬ وبالتالي يمنع المحاصرين من الحصول على احتياجاتهم الغذائية والطبية٬بالتزامن مع وقف إمدادات المياه والوقود٬ وخدمات الكهرباء والهاتف وغيرها٬ والنقطة الثالثة أساسها النتائج العامة التي يتركها الحصار على سكان المناطقالمحاصرة٬ وقد أدى إلى أضرار جسدية لحقت بالمحاصرين نتيجة فقدان ونقص الأغذية والأدوية.

فمات كثيرون٬ وأصابت الأمراض كثيرين غيرهم٬ ولميقتصر ذلك على الأمراض العضوية٬ بل أيًضا الأمراض النفسية والاجتماعية في تجمعات بشرية فقدت أسس ومسارات حياتها الطبيعية.

والظاهر فيما يتركه الحصار على سكان المناطق المحاصرة من آثار لا يمثل الخطر الوحيد٬ بل ربما كان الأقل أثًرا وخطًرا٬ مما سببه الحصار من تداعياتفي البنية الاجتماعية وعلاقاتها في المناطق المحاصرة٬ التي كان من تجلياتها تفكك الروابط الاجتماعية والأسرية التي كانت قد شهدت تغييًرا كبيًرا في بدايةالثورة في تلك المناطق٬ من حيث التضامن الواسع والتآخي بين السكان٬ وقيامهم بمساعدة بعضهم بعضا٬ كما شهدت تلك المناطق انقسامات بين المسلحين!ما يفعله الحصار بالسوريين 2016/16/5

والمدنيين٬ لدرجة أن الانقسامات حدثت وتعمقت داخل كل فريق منهما٬ وأدت إلى صراعات علنية وضمنية استخدم السلاح فيها أحيانا٬ قتلاً واعتقالاً٬ وتعززتسلطة المسلحين٬ رغم أن أغلبهم ذهب إلى السلاح تحت شعار الدفاع عن المظاهرات٬ وحماية الحواضن الاجتماعية للثورة٬ وتحولت بعض التشكيلاتالمسلحة إلى عصابات٬ وتحول بعض القادة إلى أمراء حرب٬ وأصحاب إقطاعات عسكرية دينية أو سياسية٬ تستغل قوتها وإمكانياتها للسيطرة وجنيالمكاسب٬ بما فيها مكاسب مادية.

وامتدت آثار الحصار لتترك أثرها في حياة الأفراد٬ في تنامي الأنانية والاستقواء على الأضعف منهم٬ والبحث عن حلول فردية ومؤقتة٬ ولو على حسابالآخرين٬ وخلافا للقيم والمفاهيم التي أطلقوها عشية الثورة على نظام الأسد.

لقد فعل الحصار الكثير بحياة المحاصرين٬ جماعات وأفرادا٬ حيث لم يتجاوز حقوقهم الطبيعية كبشر فقط٬ إنما جعلهم عرضة للموت والمرض والفقر والجوع٬وأطلق فيهم غرائز وأمراضا اجتماعية وفردانيات مرضية. ولأن الحصار يفعل كل هذا٬ وأكثر منه٬ اعتبره العالم جريمة حرب يستحق مرتكبوها المحاكمةعليها٬ وإيقاع العقاب بهم.

الشرق الأوسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.