صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الاعتصام المفتوح كمدخل لبداية فهم معضلة مؤسسات التعليم العالي

0

عشرون يوما واعتصام طلاب الجامعة الاردنية المفتوح مستمرا، هذا الشكل الاحتجاجي الذي دعا اليه ونظمه اتحاد الطلبة والتجمع الطلابي لالغاء قرار رفع الرسوم والذي لقي ضجة –بالدرجة الاولى إعلامية- أفضت إلى حالة لا باس بها من التضامن الشعبي بالإضافة إلى هجوم وتشهير وتشكيك باهداف الإعتصام التي ممكن ان تكون مضمرة ، من البديهي أن هذا الحدث أو هذه التجربة بالأحرى، لايمكن تناول وبحث ابعادها، ابتداء من آليات عملها التنظيمية وصولا إلى النمط السلوكي المتبع من قبل الطلاب المعتصمين والشعارات المطروحة، دون اعتبارها جزء قد يكون رئيسي او ثانوي في اطار التناقضات اللتي تفعل فعلها في العملية الأكاديمية والبنية التعلمية برمتها في البلاد.
النهج الاقتصادي المتخلف الذي كان سائدا والمتمثل بغلبة القطاعات الخدمية غير المنتجة على القطاعات المنتجة، مع الاشارة إلى ان شركات التعدين التي كانت تحت مظلة القطاع العام في فترة ماضية –قبل الإقدام على خصخصتها- والتي تشكل جزء من حلقة انتاج السلعة بمفهومها الاستهلاكي، قد حصرت قسرا في دائرة الانماط المحرومة من التراكم الرأسمالي وبالتالي قادها ذلك إلى فشلها المقدر في المنافسة في السوق أو حتى الابقاء على ديمومة هيكلها الاداري والمؤسسي، النهج وتفيصلاته التي ليست من اختصاص هذا المقال، وفكرة ان القطاع العام الأردني ما هو الا فترة انتقالية سعت إلى خلق قاعدة اجتماعية تضفي الشرعية على الطبقات السياسية المتنفذة والمسيطرة، وظهر ذلك في بناء المدارس المستشفيات والجامعات وحالة الرخاء المعيشي النسبي التي امتدت من أواخر الستينيات إلى منتصف الثمانينيات ، وفي تضخم الاجهزة الإدارية في الغالبية العظمى من فروع مؤسسات الدولة والذي نعاني من ويلاته حتى وقتنا الحاضر، هذا كله أدى إلى تطور النهج الاقتصادي في مخاض رجعي مرير بالنسبة للطبقات والفئات المعدمة ومراكم لثروة البروجوازيات التي من ضمنها تلك التي كانت متنفذة وذات سطوةعلى القطاع العام والتي هي نفسها قامت بالقضاء عليه محدثة ثقوب لا تعد ولا تحصى في مظلته، تاركة جميع القطاعات التي كانت منطوية تحتها عرضة لحريق مضاربات السوق ومعايير الجودة…الخ.
الجامعة الأردنية، كمؤسسة معنية بتقديم سلعة خدمية (التعليم)، هي ليست بمنأى عن ما ذكر سابقا أو عن السياسات الاقتصادية الاجتماعية الحالية الناتجة عنه، وبالتالي من المستحيل أخذ الجامعة كجسم بنيوي بمعزل عما يحدث في ديناميكية البيئة المنبثقة –الجامعة- عنها والواقعة فيها، إلا أن البناء الاقتصادي المشوه القائم في البلاد –الذي يصب بالطبع في مصلحة الطبقات المهيمنة- فرض وعبر الاجهزة الاعلامية والايدولوجية مختلف اشكال الإشارة إلى أن الجامعات –وهي التي تهمنا هنا- لها دور محدد يتمحور حول إعداد كوادر بشرية جاهزة للانخراط في سوق العمل، حيث أن خطط وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منصبة بالاساس على هذا المعيار القياسي الضيق وما يرافقه من أغلفة تجميلية مثل ضرورة رفع رتبة الجامعات بضعة درجات على سلم التصنيف العالمي، وادخال التقنية كذا إلى هذه الكلية العلمية او تلك، ان هذا التصور لا يأخذ بالطبع قدرة فئات واسعة من الطلبة على تحصيل حقهم في التعليم من عدمها أو مضمون المناهج المقدمة و آلية القاؤها، ولا أسس تعيين أعضاء الكادر الأكاديمي وبالاخص في الكليات الاجتماعية والانسانية أو شكل ومدى سوية الثقافة الوطنية عند الطالب والتي من المفروض بالجامعات ان تضطلع في انتاجها أثناء سيرورة عملها، واما مسالة البحث العلمي فمتروكة تتلقفها المنظمات غير الحكومية واحدة تلو الاخرى.
ان التذبذب في الدعم الحكومي للجامعات الذي يكاد يكون لايذكر في السنوات الاخيرة، والذي سببه الاساسي الازمة الاقتصادية في البلاد، لهو من العوامل التي تعزز فكرة من المستحيل تطبيقها على ارض الواقع والتي مفادها ان جامعة معينة ممثلة بادارتها قادرة على اعانة نفسها بنفسها محافظة على امكانية أن يكون التعليم في متناول الجميع، ناهيك عن ان هذه الفكرة الخرقاء تفتح المجال لإبداعات المبادرات الفردية الهستيرية الفاشلة سواء من إدارة الجامعة او من مجلس التعليم العالي لتدارك الخروج من الرمال المتحركة التي نتجت عن سوء التخطيط وتخضم الجهاز الاداري، اذا اردنا –عبثا- افتراض عدم وجود شبهات فساد بالمطلق، أضف إلى ذلك ازدياد اعداد الطلبة وبالتالي ازدياد العبء على البنى التحتية والمرافق العامة، لكن الفكرة المحورية الأخرى التي يجب الاشارة عليها إلى ان هذا الفصل التعسفي الاسطوري والمعزوم للجامعات عن بيئتها الاجتماعية له اثره الكبير على حظر التداول الصريح والمتحزب لتيارات فكرية مختلفة داخل الساحات الطلابية وهذا لا يعني أيضا ان هذا مصرح به بشكل مطلق خارج اسوار الجامعة المعنية لمواطنين العامة، وانما المقصود ان داخل الجامعة هناك أنظمة وتعليمات صريحة وواضحة تمنع اي نشاط طلابي غير مفصل على قياس الجهات المعنية ممثلة غالبا بعمادة شؤون الطلبة، وبالتالي هناك كما في اليومية الاجتماعية وجهة نظر يتم السعي الى نشرها وتعميمها غير قابلة للمس اتجاه مختلفة القضايا.
يأتي الاعتصام المفتوح في الجامعة الاردنية كتذمر صاخب على السياسات المجحفة التي تقصي الفئات الغير قادرة على التماشي معها، لكن من المؤكد انه لا إستمرارية لاي نشاط مطلبي يعلن استقلاليته المطلقة عما يدور خارج اسوار مؤسسته، دون توفر مستوى متوسط في أسوء احواله من فهم المشكلة المركبة التي يواجهها، وبالتاكيد لا يوجد هناك مساحة للوم الميل (المستقل، سواء الحقيقي أو المختلق) لغالبية الطلبة المنخرطين في الاعتصام بسبب الضخ الأيدولوجي الرجعي الذين يتعرضون له سواء من خلال مناهجهم داخل الجامعة أو عبر وسائل تجيش الطبقات المسيطرة الذين هم ليسوا بمنأى عن تاثيرها، والجانب الآخر هو عدم وجود تنظيمات سياسية يسارية ذات وزن جماهيري تحمل بحق راية الفهم الصحيح للظواهر الاجتماعية الذي يؤدي بدوره إلى اساليب العمل العام.
ومما لا شك فيه ان قضية طلاب الجامعة الاردنية واي قضية في سياق نسقها هي قضية محقة، الا انها تواجه مشاكل مركبة اكثر تعقيدا من مسالة قرار رفع الرسوم، مرتبطة بالنهج الاقتصادي العام المتبع، وعليه فان الحراك الطلابي الذي من الممكن ان يكتب له الميلاد معني إلى اقصى حد بفهم هذه الظواهر مستندا أدوات علمية لينطلق بخطوات مدروسة لتحقيق اهدافه، وواعيا أن صراعه هو طبقي بالاساس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.