الموازنة بعد نكسة الكهرباء
شكلت قضية رفع أسعار الكهرباء نكسة لمجلس النواب بعد أن رفضت الحكومة كل السيناريوهات للخروج بحل يرضي الجميع، ويحقق الطمأنينة للمواطنين الذين استبشروا خيرا بانخفاض أسعار النفط عالميا، لتنعكس على أسعار المحروقات والكهرباء التي تعهدت الحكومة بتخفيضها في حال تراجع أسعار النفط عالميا، وهو ما لم يحدث بالنسبة للكهرباء.
الحكومة وفي إطار عقلية الجباية الباحثة عن الأموال لتمويل نفقاتها المتزايدة، رفضت أي مقترح للتراجع عن زيادة أسعار الكهرباء أو تأجيلها، وأمام ضغوطات الرأي العام وفعاليات القطاع الخاص التي رفضت جميعا قرار الزيادة على أسعار الكهرباء لعدم وجود المبررات الاقتصادية التي تدفع بذلك على النحو الذي حدث قبل ثلاث أعوام، جعلت الحكومة تفكيرها منصبا على تمرير القرار لكن عن طريق الأغلبية التي تتمتع بها داخل مجلس النواب.
المفاجأة كانت صادمة للحكومة هذه المرة، فمجلس النواب كان متيقظا للفخ الذي أرادت الحكومة أن تضعه به أمام المواطنين، وكانت النتيجة هي أن غالبية أعضاء مجلس النواب رفضوا قرار الحكومة بزيادة أسعار الكهرباء لأن المنطق الاقتصادي يقتضي بعدم الرفع، لا بل تخفيضها، وأن جميع أرقام الحكومة فيما يتعلق بالدعم وخصوصا خسائر شركات الكهرباء ما هي الا عبارة عن ارقاما بعيدة عن الواقع الاقتصادي.
وأمام رفض النواب المفاجئ، كشفت الحكومة عن وجهها الحقيقي في هذا الامر، وقالت إن قرار رفع أسعار الكهرباء هو قرار حكومي بحت ليس للنواب أي صلة به، لذلك فإن مسألة رفضهم للقرار لا يعنيها بشيء، لأنه لا يلزمها أساسا.
اليوم مجلس النواب مشغول بمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2015، والذي بني أساسا على أرقام وفرضيات خاطئة، والجميع يعلم جيدا أن كل مخصصات الدعم الموجودة في القانون التي تتجاوز قيمها أكثر من 250 مليون دينار، هي أرقام وهمية وحسابات لن تنفق في ضوء تراجع أسعار النفط لأكثر من 50 بالمائة عن فرضيات الحكومة التي ترى ان معدل سعر النفط سيكون بحدود 100 دولار للبرميل.
والجميع يعرف أن كل مخصصات الاقتراض التي بنيت في موازنة التمويل خاصة المتعلقة بخسائر شكة الكهرباء ستكون محل جدل واسع، خاصة أن الحكومة تنوي اقتراض ما يقارب المليار دينار لهذا الأمر دون مراعاة لتهاوي أسعار النفط والأرباح التي ستجنيها من البيع بالتعرفة الحالية للكهرباء، وباقي أسعار المشتقات النفطية التي تتحصل الحكومة على إيرادات ضريبية قد تكون من أعلى دول العالم تقريبا.
مشروع قانون موازنة 2015 يتضمن سياسة حكومية اقتصادية مبنية على زيف الارقام، والنواب مسؤولون عن تصحيح الوضع المالي للدولة من خلال إعادة البناء الحقيقي للموازنة، وأن يمارسوا دور الرقابة والتقييم الحقيقي لسلوك الحكومة وسياساتهم خاصة بعد أن أثبتوا عدم صحة أرقام الحكومة في قضية الكهرباء، فباستطاعتهم مواصلة الأمر في الموازنة.
[email protected]
[email protected]

