ما بين جنيف وكييف … ما الذي سيحدث في سوريا
قد يخيل للناظر من الوهلة الأولى أن بؤرة الاهتمام العالمي المسلطة على سوريا قد بدأت تذوي كشعلة الفانوس التي انطفأت تاركة إياها في الظلام تتخبط في دماءها دونما دليل. لأن ملاحقة ما هو دائر الآن في أوكرانيا تُعطل -أحياناً- عن تقصى ما يدور بعده في سوريا، وكأن أوراق الملف السوري قد تطايرت من جنيف (2) لتحط في فصول من كتاب تاريخ بعد أن تجاوزتها الصفحات مسرعة تلهث خلف حوادث أوكرانيا المتسارعة. ولكن ليس بعد.
ما زالت سوريا على موعد مع حدث مهم في الأسبوع الأخير من الشهر الجاري عندما تحط طائرة أوباما في الرياض. ما الذي أتى به؟ وعلى ماذا يبحث في السعودية؟
جواب السؤال الأول يأتي أيضاً من جنيف (2) حيث استفاقت أمريكا من أوهامها بأن روسيا ستكون شريكتها في رعاية انتقال سلمي للسلطة إلى هيئة حكم انتقالية يقتضي التخلص من رأس النظام السوري مع إبقاء جسده وإجراء تعديلات تجميلية بإدخال بعض من شخصيات المعارضة هنا وهناك. لقد كانت هذه الاستفاقة قاسية على أمريكا وهي التي تخلت عن الكثير من لاءاتها السابقة في سبيل جمع أطراف الصراع على مائدة المفاوضات، لتتفاجأ بأن النزاع السوري لا يمكن أن يحل بالطرق السلمية بوجود “شريك” يتحين الفرص لإحراجها بدعمه المطلق للنظام السوري.
لذلك سيأتي أوباما باحثاً عن تنازلات سعودية تقابلها تطمينات أمريكية في الملف الإيراني، وعن تطمينات سعودية تقابلها تنازلات أمريكية في الملف السوري، وهذه هي محور هذا الحديث.
لقد توصلت أمريكا لقناعة بأنه وإن كان النزاع السوري لا يمكن حسمه بالطرق العسكرية إلا أنه أيضاً لا يمكن حسمه بالطرق السلمية، ولذلك يجب إعادة التوازن العسكري من خلال إعادة تسليح الجيش الحر في مواجهة معسكر لا يحترم إلا لغة القوة. وبما أن هذه هي الرؤية السعودية للنزاع في سوريا توجب على الأولى تقديم تطمينات -لا بل ضمانات- بأن فتح مخازن السلاح على مصراعيها للمعارضة السورية لن يتسبب بوقوع أسلحة نوعية متطورة في أيدي من تعتبرهم أمريكا جماعات متطرفة.
ومدار الحديث هنا عن صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات والدبابات يكون الهدف الظاهر منها الحد من تأثير سلاح الجو السوري في أرض المعركة. ويجب أن لا نستهين بقدرة هذه الصواريخ ونحن نستذكر كيف أن صواريخ ستريلا المحمولة قد مكنت مصر في حرب أكتوبر 1973 من إعادة بعض التوازن في مقابل التفوق الجوي الإسرائيلي.
أما الهدف الباطن من هذه الصواريخ فهو تمكين المعارضة من تنفيذ القرار الأممي الإنساني بإنشاء ممرات آمنة قد تتطور لاحقاً لمنطقة حظر جوي دون تورط علني للجيوش الأطلسية -للمرة الأولى في التاريخ. وستشكل هذه المنطقة العازلة منصة انطلاق ما اصطلح على تسميته “هجوم الربيع” والذي ستثب فيه المعارضة على دمشق خلال الأشهر الثلاثة القادمة.
أظن أن ما كنا نخشاه أصبحنا نرى حولنا شواهد بعضه، حيث ستُدفع سوريا من الأطراف التي أعملت يدها في المسرح السوري نحو البلقنة ثم الأفغنة. أي تقسيم سوريا إلى دويلات على أساس طائفي، ثم إشغال هذه الدويلات الوليدة بنزاعات داخلية للتخلص من أسلحة المعارضة التي ضخها الغرب في سوريا.
للأسف ما زالت سوريا على موعد مع سنوات عجاف إلا من المعاناة والدم.

