صحيفة الكترونية اردنية شاملة

خريف 2015!

0

أن تجد متفائلاً اليوم، مع بداية العام 2015، باستعادة “الربيع العربي”، فإن ذلك سيكون عملةً نادرة حقّاً. وإذا كان العام قبل الماضي، 2013، هو عام الانكسار والتراجع الكبير في مسيرة الثورات الديمقراطية، فإنّ العام 2014 مثّل المحطة الأخيرة، في رأي أغلب المراقبين، لفصل الربيع الديمقراطي الموعود، مؤذناً بخريف ممتد وطويل وفق ما نراه من مؤشرات ومشاهد، تمتد من البصرة إلى اليمن مروراً بسيناء ووصولاً إلى ليبيا!
وبالرغم من أنّني متشائم تماماً على المدى القصير، ولا أرى بارقة أمل حقيقية فيما يتعلق بالعام الجديد للشرق الأوسط، فما يحدث في العراق وسورية من حرب داخلية طائفية تعزز من مأساة المجتمعات السُنّية وشعورها بالعزلة والتهديد الوجودي، والحال كذلك في اليمن، فيما يتواصل المسار المتدهور للديمقراطية والعقلانية في مصر، بينما تشعر الدول المحافظة العربية بأنّها تمكنت من إيقاف وتعطيل عجلة التغيير الديمقراطي عبر استعادة الجملة التاريخية التي تحكم سند الشرعية الوهمية الذي يستند إليه النظام القديم: إما نحن أو “القاعدة”، وحالياً “داعش”!
مع ذلك، ليس الخريف هو بالضرورة من سيحكم مصير المنطقة، حتى وإن شهدنا مزيداً من الانتكاسات والانقسامات والصراعات، واستبدّت خيبة الأمل والإحباط بالشعوب والمجتمعات. فما نحن بحاجة إليه اليوم هو ذلك “الحسّ التاريخي” الذي يتجاوز التسجيل اليومي أو حتى السنوي للأحداث، وينظر إلى حركة المجتمعات والشعوب عبر منظور تاريخي فلسفي عميق.
مثل ذلك الحس هو الذي يدفعنا إلى أن نشعر بالتفاؤل على المدى البعيد؛ بأنّ مسيرة التغيير بدأت فعلاً في المنطقة، وأن ما نشهده حالياً ما هو إلاّ الأمراض الموروثة والأوبئة التي تعيش في داخلنا، وصمتنا عليها مدة طويلة من الزمن، بل وتصالحنا معها بحيث أصبحت مكوناً من مكوناتنا الثقافية والمجتمعية. فالثمن الباهظ الذي ندفعه اليوم، ما هو إلاّ مخاض تاريخي إجباري للعبور نحو مرحلة تدرك فيها المجتمعات العربية القيمة الحقيقية للديمقراطية ومعانيها وفلسفتها، ومدى أهمية احترام التعددية الدينية والطائفية والعرقية، وأهمية السلم الأهلي والمجتمعي، وتقديس كرامة الإنسان وحقوقه وقيمته.
ما الذي يدفع إلى هذه الحتميات أو اليقين بالصيرورة التاريخية نحو الربيع وانتهاء الخريف؟
الجواب، باختصار، لأنّه لا يوجد أمامنا بديل آخر، إذا كنا نريد فعلاً أن نعيش ونحيا، ونحمي مستقبلنا، ونطمئن على الأجيال المقبلة. ففي السابق، كان الاستبداد السياسي بمثابة الجدار الذي يحول دون انفجار التحولات الكبرى في المجتمعات وخروجها. لكنه لم ينه الأزمة الاجتماعية-الثقافية في العالم العربي، وإنّما جذّرها وعززها وسكّنها. أما اليوم، وبعدما انكسر ذلك الجدار، ثقافياً وشعورياً، فإنه لم يعد هناك ما يحول دون مواجهة أنفسنا وثقافتنا الموروثة وأمراضنا الراهنة، بالتزامن مع تداعيات الثورة المضادة التي تعمل، بطبيعة الحال، ضد التغيير الديمقراطي بكل قواها وقدراتها.
ليس أمامنا خيار آخر؛ فالبديل من الربيع الديمقراطي المؤجل، هي حروب طائفية وأهلية داخلية بالوكالة، أو أنظمة لا تقدم أي أفق للمستقبل والتغيير، بمزيد من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، والعودة إلى منطق سلطوي متصلّب أكثر مما مضى. مثل هذه البدائل العربية المطروحة اليوم لن تكون هي خيار الطبقة الوسطى، مع جيل الشباب المتعطشين للتغيير، الذين قاموا بالثورات ودفعوا الشعوب معهم إليها.
قوانين التاريخ، وخبرة الثورات العالمية، تدفعنا إلى التفاؤل والإيمان بالمستقبل. وهو ما يفترض أن يكون موضع نقاش النخب الديمقراطية والإصلاحية العربية في مراجعة ما مضي؛ ما الذي حدث فعلاً في الثورات الديمقراطية؟ ولماذا انتكسنا؟ وكيف ننهض مرّة أخرى؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.