العقبة.. كثرة الطباخين
سلامة الدرعاوي
الدكتور هاني الملقي، هو الرئيس الثامن لمفوضية منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، منذ تأسيسها العام 2001، بهدف جعلها مركزا سياحيا واستثماريا إقليميا ودوليا، ورافدا للخزينة، وداعما رئيسيا للاقتصاد الوطني .
الرئيس الثامن للعقبة لا يختلف كثيرا من حيث خبراته عن سابقيه، فهو ابن الجهاز الإداري والوزاري للدولة، مثل من سبقه إلى هذا المنصب، ويتمتع بـ”كاريزما” تتشابه إلى حد كبير بسابقيه أيضا، فهو يسعى إلى فرض هيبة الدولة، وتعزيز حضورها، والمساهمة في إزالة الاختلالات التي تقف عائقا أمام تسريع عملية التنمية المستدامة للعقبة، التي أرادها الملك أنموذجا تنويا رائدا في منطقة الشرق الأوسط.
خلال السنوات الـ15 من عمر العقبة الاقتصادية الخاصة، لم تتمكن هذه المدينة من الوصول إلى الغايات والأهداف التي كانت قد رسمت لها، واصطدمت بالكثير من العقبات والتحديات، التي جعلت الكثير من الأهداف حبرا على ورق، وغايات أخرى لم ترتق إلى مستوى الطموح .
الكثير كانوا يرون أن العقبة كانت ستنافس جبل علي في دبي، لتكون أهم مركز لوجستي في المنطقة، نظرا للخدمات الأساسية المتوفرة فيها، مثل الميناء والمطار والبنية التحتية، وأنها ستتفوق على شرم الشيخ أو تضاهيها سياحيا، وستكون على قدم المساواة مع لبنان استثماريا. للأسف كل هذا لم يتحقق، وكل المشاريع التي أنشأت فيها لم تكن لتظهر لولا الإشراف المباشر من الملك شخصيا، والتسهيلات التي قدمتها الحكومة في بعض الأحيان، وبطريقة سخية في أحيان أخرى، أما الاستثمارات الأجنبية الخالصة فهي تعاني الأمرين؛ إما من بيروقراطية الأجهزة الإدارية في المفوضية ومزاجية التعامل معها، وإما نتيجة الكلف الاجتماعية والمادية التي بات على المستثمر أن يلبيها قبل أن يدفع فلسا واحدا على استثماره في العقبة.
بما أن العقبة تغير رئيس مفوضيتها مرة واحدة كل أقل من عامين تقريبا، فإن هذا مؤشر واضح على الارتباك الحاصل في الرؤية الإدارية للمدينة، وكل شخص يتولى فيها منصبا لا يعرف ما الهدف الرئيسي الذي يجب أن يقوم به، وإذا ما خرج فأيضا لا يعرف لماذا خرج، هل لأنه أخفق، أم لأن هناك ضغوطات كبيرة مورست ضده.
صحيح أن مفوضية العقبة قد تتحمل جزءا كبيرا من المشاكل التي ظهرت أخيرا في المدينة، لكن علينا أن نعترف أن الشارع في العقبة غير هادئ على الإطلاق، وهو امتداد لحالة الاستياء الموجودة لدى معظم العاملين في القطاع العام بالمملكة، ويتطلع دوما إلى تحسين ظروف معيشته والحصول على امتيازات ومكتسبات مالية بدون النظر إلى الوضع الاقتصادي للخزينة في العقبة إن كانت تسمح بذلك أم لا، حتى العاملين في الشركات الإستراتيجية، مثل شركة ميناء الحاويات، فعلاقتها مع المستثمرين في أسوأ أشكالها، لا بل إن جميع المؤشرات تدلل على أن الأزمة بين الطرفين في حالة تخدير حتى وقت محدود لتظهر من جديد ويعود المشهد إلى سابق عهده وهو ما قد يشكل أول تحد للرئيس الجديد.
للأسف؛ هنالك تقصير واضح من قبل الحكومة المركزية التي تتعامل مع العقبة ومشاكلها من باب المشاهد المراقب فقط لا غير، بدون أية تدخلات، وكأن الأمر لا يعنيها أو كأن العقبة ليست جزءا من الأردن، وهي تركت كل مجالس مفوضية العقبة بلا استثناء وحدها في مواجهة المشاكل.
النواب هم الآخرون شكلوا وسيلة ضغط وباتوا جزءا من المشكلة وليس وسيلة للحل، فقد انهالوا بمطالبهم الخدمية والشعبوية والمناطقية على المفوضية التي استسلمت لبعض المطالب ورفضت بعضها لعجزها المالي.
بعد 15 عاما من إطلاق العقبة الاقتصادية الخاصة تلوح بالأفق أسئلة أهمها: هل فعلا الأردن بحاجة لجعل العقبة الاقتصادية منطقة خاصة؟ ألم يكن بالإمكان تسريع وتيرة النمو بدون فصلها اقتصاديا واستثماريا عن الحكومة المركزية؟
[email protected]
[email protected]

