معجزة اقتصادية في سنغافورة
سنغافورة جزيرة تبلغ مساحتها حوالي 700 كيلو متر مربع وعدد سكانها يقارب الخمسة ملايين نسمة ، معظمهم من الصينيين وأقليات ملاوية وهندية وماليزية . تقع هذه الجزيرة الصغيرة إلى الشرق من جزيرة سومطرة في جنوب شرق آسيا . وكانت أحد الموانئ التي أقامتها شركة الهند الشرقية التابعة للإمبراطورية البريطانية عام 1819 . لا يتوفر في هذه الجزيرة أية موارد طبيعية وكانت تعتبر من الدول المتخلفة . انضمت إلى اتحاد الملايو ( ماليزيا ) ثم انفصلت عنه بعد سنة واحدة حيث نالت استقلالها عام 1965 .
فقصة نجاح هذه الدولة في التحول من دولة متخلفة إلى مصاف الدول المتقدمة ، خلال فترة تقل عن ثلاثة عقود ، وتصبح أحد النمور الآسيوية السبعة ، هي قصة غريبة تستحق التأمل والدراسة . إذ كانت تلك البلاد تواجه العديد من المشكلات كالبطالة وأزمة السكن والفساد الإداري والركود الاقتصادي ، وخطر التمدد الشيوعي . ومن الجدير بالذكر أن سنغافورة تمكنت من الصمود في مواجهة الانهيارات الاقتصادية ، التي ضربت النمور السبعة في تسعينات القرن الماضي .
إن نجاح هذه الدولة الصغيرة يرتبط بصانع نهضتها السيد ” لي كوان يو ” . ففي عام 1959 أصبح يو أول رئيس وزراء لجمهورية سنغافورة بعد انتخابات فاز بها حزبه ( حزب العمل الشعبي ) واستمر بمنصبه لمدة 31 عاما . وفي وصفه للمشهد الذي كان يكتنف الجزيرة قال يو : ” بعد الانفصال عن الملايو وجدت كل شيء حولي ينذر بالانهيار ، فنسبة البطالة تقارب 15 % والدولة الجديدة تكاد تخلو من كل شيء ، القوة العسكرية مؤلفة من كتيبتين ماليزيتين ، البنية التحتية متخلفة للغاية ، قوات الشرطة لا وجود لها من الناحية العملية ، المدارس والجامعات لا تفي بالحاجة ، الغليان العنصري والديني يهدد بالانفجار في أي لحظة ، التهديد الخارجي لم يتوقف ، وكانت ماليزيا تنتظر فشلنا على أحر من الجمر لتستخدم القوة في إعادة سنغافورة إلى حظيرة الملايو ” .
اعتمد يو في تحقيق المعجزة الاقتصادية في بلاده على ( بناء الإنسان ). وأكد بأن العلم هو السبيل لنهوض الدول . وعليه فقد أمر الناس بالعلم والعمل لا بالإصغاء إلى الإذاعة ، ومنع الناس من التجمع إلا للصلاة ، وأغلق السجون ليفتح بدلا منها المدارس ، وحارب الفقر والبطالة ، وجعل لكل مواطن بيتا يسكن فيه بدلا من أكواخ الصفيح ، وأقام نموذجا للحكم مناقضا لكتاب ماو الشيوعي وثورته الثقافية. وفي محاضرة له في الكويت قدم يو النصيحة التالية لمستمعيه : ” اصنعوا الإنسان قبل كل شيء ، أمنوا المرافق والخدمات ، ثم اجعلوه يستخدمها بطريقة حضارية ونظيفة ، وأعيروا التفاصيل الحياتية اليومية كل الاهتمام ” .
ولتنفيذ سياسته النهضوية اتّبع يو المحاور التالية :
1. محور التعليم . فقد عمم التعليم وحدثه باعتماد أفضل المناهج في العالم وأصبحت سنغافورة تتصدر الأولمبياد الدولي في امتحانات المواد العلمية . ويقول يو في هذا السياق : ” الدول المتحضرة تبدأ نهضتها بالتعليم ، وهذا ما بدأت به عندما استلمت الحكم في دولة فقيرة جدا ، أوليْتُ الاقتصاد اهتماما أكثر من السياسة ، والتعليم أكثر من نظام الحكم ، فبنيت المدارس والجامعات ، وأرسلت الشباب إلى الخارج لتلقي العلم ، ومن ثم الاستفادة من دراساتهم في تطوير الداخل السنغافوري ” . وهذا المحور يندرج تحت الخطوات التالية :
أ. يأخذ النظام التعليمي في حيثياته ” الأهلية والاستحقاق ” . فبعد ست سنوات من التعليم الابتدائي المجاني ، يتقدم الطلبة لامتحانات تحدد قدراتهم واستعداداتهم ، ومن ثم يتم إرسالهم إلى مدارس ثانوية تتناسب مع قدراتهم الذهنية . فالأقدر من بينهم يتوجه إلى أفضل المدارس الثانوية. أما الطلبة الذين لم يثبتوا جدارتهم للذهاب إلى الثانوية ، فإنهم يذهبون إلى مدارس تجارية تعدهم للعمل .
ب. وبعد أربع سنوات من الدراسة الثانوية يتقدم الطلبة إلى امتحان آخر يحدد من يذهب إلى الجامعة ، ومن هو أقل منه قدرة يذهب إلى الكليات التقنية للتدرب على مهارات العمل . وأما الذين يذهبون إلى الجامعات ، فإنهم يتقدمون لامتحان آخر بعد سنتين . فإذا كان أداؤهم عاليا فإنهم يكملون التعليم الجامعي ، وبعكس ذلك يتجهون إلى الدراسات المهنية .
ج. هذا النظام الصارم حقق لسنغافورة مخرجات كانت هي القاعدة التي ارتكز عليها المجتمع في تنميته ، بعيدا عن الاستثناءات ، والذي جعل جميع أطراف العملية التعليمية من الطالب إلى المعلم إلى الأسرة ثم الحكومة ، يدركون أن تطبيق هذا النظام هو الكفيل بمساعدة أبناء المجتمع على اكتشاف قدراتهم ، والتعبير عنها في الميدان التعليمي ومن بعده في المجال الوظيفي .
2. محور التوظيف الحكومي . اعتمدت الحكومة في هذا المجال بيروقراطية صغيرة الحجم ذات كفاءة عالية قوامها 50 الف موظف على درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة . وقد حرصت الحكومة على أن يتم التعيين في الوظائف عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع ، بحيث يحصل موظفو القطاع العام على رواتب تنافسية مثل القطاع الخاص . ويقول يو : ” بعد عدة سنوات من الخدمة في الحكومة ، أدركت أنني كلما اخترت أصحاب المواهب كوزراء وإداريين ومهنيين ، كلما كانت سياستنا أكثر فعالية وأكثر نجاحا ” .
3. محور تحديد النسل . اعتمدت سنغافورة على تحديد النسل بحيث لا تتجاوز نسبة زيادة السكان عن 1,9 % في عام 1970 و 1,2 في عام 1980 مما جنب البلاد كارثة الانفجار السكاني الذي يعرقل التنمية . ولكن بعد أن تعافى الاقتصاد السنغافوري وأصبح بحاجة إلى الأيدي العاملة المؤهلة ، غيرت الدولة سياستها السكانية بالاتجاه المعاكس ، واعتمدت برنامجا جديدا يهدف إلى تحفيز المواطنين على زيادة النسل .
استطاعت سنغافورة بقيادة رئيس وزرائها لي كوان يو أن تصنع معجزة اقتصادية عالمية ، وأن تتحول إلى دولة صناعية تنتج الإلكترونيات ومعدات الحفر وتكرير النفط وتصنيع الأدوية والمواد الغذائية ومنتجات المطاط وإصلاح السفن وتنشيط السياحة . وقد حققت نتيجة لذلك زيادة في دخل الفرد السنوي من 1000 دولار عند الاستقلال ، إلى أكثر من 30000 دولار في بداية الألفية الثالثة .
حين استقلت سنغافورة لم يتوقع أحد أن تتحول هذه الدولة الصغيرة إلى حاضرة عالمية مزدهرة تضم أنجح شركة طيران في العالم ، وأفضل مطار جوي ، وأنشط ميناء بحري ، وأن تحتل المرتبة الرابعة عالميا في مستوى دخل الفرد . وتعد سنغافورة الآن من أكثر بلدان العالم أمنا واستقرارا . وتمتاز بنظافة
وحداثة مبانيها . ومما ساعد في ذلك ، النزاهة والواقعية والمرونة التي اتصفت بها قيادات الحزب الحاكم ، والتي لم ترفع شعارات جوفاء ، ولم تبذر ثروة المجتمع في مشروعات فاشلة ، ولم تفرض ضرائب متصاعدة على مواطنيها ، ولم يكن لديها إعلام تائه يضلل المواطنين .
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن هو : لماذا لا تقوم حكوماتنا المتعاقبة بالنظر شرقا والاقتداء بدول جنوب شرق آسيا ، التي كانت أكثر منا تخلفا قبل بضعة عقود ، ولكنها نهضت بالعلم وبرجال كرّسوا حياتهم للارتقاء بدولهم إلى مصاف الدول المتقدمة ، وسجلوا نجاحات باهرة على مستوى العالم ؟ القضية لا تتطلب من مسئولينا أفكارا خارقة ، بل تتطلب منهم فقط استنساخ التجارب الناجحة لتلك الدول ، التي شقت طريقها إلى المستقبل ووفرت الرفاه والسعادة لشعبها ، وتطبيقها بما يتناسب مع بيئتنا الأردنية ، لعلنا نرتقي بمجتمعنا إلى مستوى الدول التي سبقتنا في هذا المجال.

