صحيفة الكترونية اردنية شاملة

توصيات ‘ديلويت’ العشرية

0

قبل شهرين تقريبا كتبت في نفس هذا الموقع مقالا بعنوان “خطة عشرية برعاية ديلويت”، حينها استاءت الحكومة من هذا المقال، ونفت على لسان وزير المالية، أن يكون هناك أي اتصال مع أي شركة استشارات أجنبية، وأنها تنفذ الخطة بسواعد وطنية .
حينها بدأت لجان الخطة العشرية بالاجتماعات المكثفة، حسب كل قطاع، ومن ثم عقد اجتماع في البحر الميت برعاية رئيس الوزراء، وخرج المجتمعون، الذين يمثل غالبيتهم موظفو الحكومة ، بتوصيات محددة في كل قطاع، ليصار بعد ذلك إلى تجميعهت وإخراجهما في رؤية واحدة شاملة.
لكن للأسف كل هذه الجهود، وإن كان يشوبها الخلل، لم يؤخذ بتوصياتها، التي رميت عرض الحائط، وبدلا من البناء عليها وتطويرها وتحديثها، كما يحدث في العادة، قام فريق آسيوي من العاملين في مكتب “ديلويت” في دبي، بإرسال كم كبير من التوصيات إلى اللجان حتى يصار إلى اعتمادها وإخراجها في الرؤية العشرية.
توصيات “ديلويت” ليست بعشرية، وإنما مئوية؛ فهي تتضمن 197 توصية في قطاع المالية العامة، على سبيل المثال لا الحصر، وأغلب هذه التوصيات ليس لها علاقة بحيثيات وتفاصيل السياسة الاقتصادية الأردنية، ولا ترتبط بالواقع التنموي بشيء، وهي عبارة عن توصيات صالحة لكل زمان ومكان، وأقرب للنظريات التي تصطدم بواقع التنفيذ.
توصيات “ديلويت” المقترحة على القطاع المالي، مثيرة للضحك والاستغراب معا؛ فكيف للحكومة، التي تدعي بكفاءتها الإدارية، أن تكون عاجزة عن صياغة توصيات مالية قابلة للتنفيذ قريبة من سياساتها وقوانينها وإجراءاتها الاقتصادية .
فماذا يعني أن توصي “ديلويت” بتخفيض عجز الموازنة إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي خلال خمس سنوات، وهذه التوصية موجودة أصلا في اتفاق التسهيلات مع صندوق النقد؟ ولماذا تكرر التوصيات بعضها، لدرجة أن هناك توصيات تتشابه بينها عشرين مرة على سبيل المثال، مثلما حدث في الضريبة وإعادة هيكلتها، أو أن يوصى بتقليل الاعتماد على الذات أو إيجاد هيئة مالية مستقلة تكون معزولة عن الضغوط السياسية، أو تعزيز استقلالية البنك المركزي، فهذا أمر غريب عجيب لم يسمع به أحد من قبل.
يبدو أن العاملين في مكاتب “ديلويت” في دبي قد أرسلوا للحكومة توصياتهم التي كانوا قد أعدوها في وقت سابق لإحدى الدول الناشئة، التي تعاقدت معهم قبل الأردن بسنوات طويلة، لأن من يقرأ هذه التوصيات يجدها تصلح لدولة حديثة العهد، وأن جزءا منها صالح لكل زمان ومكان، لا بل إن بعضها يخالف القوانين والأنظمة المعمول بها، والبعض الآخر لم يدرك من أرسلها أنها قد أنجزت منذ وقت طويل، مثل إعادة هيكلة ضريبتي الدخل والمبيعات .
فعلا أمر معيب على الحكومة، التي تدعي الكفاءة والحرص على المال العام، أن تكون عاجزة عن إعداد خطة وطنية عشرية، كان جلالة الملك أمر بإعدادها لتكون بمثابة تصور تنموي للأردنيين للسنوات العشر المقبلة.
من غير المقبول السكوت عن تقاعس الحكومة في إفشال الرؤية العشرية، وإخراجها بأيدي آسيوية من دبي، بعد أن تكون دفعت الملايين من أموال الأردنيين لشركة، من خارج البلاد، تمارس التنظير على الحكومة، ولدينا في الأردن مؤسسات وخبراء وبيوت خبرة حتى من القطاع الخاص وممن يتبرع بالعمل المجاني لصالح البلاد، وتقوم الحكومة بالاستعانة بأيادي أجنبية لتعتبرها انجازا وطنيا بحتا .
الخطة الاقتصادية العشرية هي خطة تنموية برعاية رسمية من شركة “ديلويت” عبر مكاتبها من دبي، لتعد خطة عمل اقتصادية للأردنيين، فهل يعقل هذا؟
[email protected]
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.