إدارة الموارد والوعي بالنجاح والفشل
يحتاج جميع المواطنين، بلا استثناء، إلى امتلاك المهارات المعرفية والوعي الذي يمكنهم من ملاحظة النجاح والفشل، والهدر والإنجاز في الإنفاق العام والخاص، وفي إدارة وتنظيم الموارد وتقييم المشروعات والموازنات والبرامج، وبالطبع التصريحات والأفكار التي يقدمها المسؤلون في وسائل الإعلام. فلا يمكن بناء تشكلات اقتصادية واجتماعية، وتأييد ومعارضة، من دون قاعدة معرفية ورؤيوية للقضايا الأساسية في التقدم والنمو الاقتصادي والاجتماعي. ويفترض، بطبيعة الحال، أن تنشئ هذه المعرفة جدلا سياسيا وبرامجيا، وقواعد اجتماعية لكل برنامج أو رؤية تدافع عنها وتدعو إليها. فالأحزاب السياسية تعكس (يفترض) اتجاهات قائمة وموجودة في المجتمع في تقييم الموارد والبرامج وإدارتها، وهي أساسا متعلقة بالتعليم والصحة والدخل ومستوى المعيشة والرفاه. وتنشأ حول هذه المكونات الرئيسة منظومات واسعة وشبكية من المؤسسات والأفكار والأعمال والمهن والقيادات السياسية والاجتماعية.
السؤالان الأساسيان في بناء الأفكار والجدل، والمفترض أن تتشكل حولهما الاتجاهات والانتخابات والجدالات السياسية والإعلامية، هما ببساطة: ماذا يجب أن نفعل بمواردنا الأساسية المتاحة؟ وكيف نديرها وننفقها؟ وهو ما يفترض أن تجيب عنه في المستوى العام الموازنة السنوية، فيما تجيب عنه في المستوى الاجتماعي والاقتصادي التقارير والأرقام والبيانات الدورية عن الأرباح والخسائر، والوظائف، والصادرات والواردات. أما السؤال الثاني، فيتعلق بتقييم المشروعات والبرامج القائمة بالفعل.
ربما تكون الصدمة والحيرة عند الاشتغال بهذين السؤالين، في ملاحظة الموارد المنشئة للفقر والتخلف؛ وكأننا ننفق لأجل إنتاج الفقر والتخلف والتهميش الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين والمجتمعات وفئات اجتماعية ومهنية واقتصادية معينة! وأسوأ من ذلك ما نحسبه تقدما وإنجازا، فيما هو فشل وهدر.
وهنا يمكن الإشارة بسرعة، وكمجرد عناوين على أمل إفراد كل عنوان بمناقشة خاصة به، إلى تشكيلة واسعة من البرامج والأعمال والأفكار تمثل خسارة وهدرا كبيرا، أو تمثل إنفاقا واستثمارا لجلب الخسارة: تصدير الخضراوات والفواكه؛ العمالة الوطنية في الخارج والعمالة الوافدة في الوطن، وبخاصة في البناء والزراعة؛ الاستثمارات الأجنبية ومدى تشغيلها للمواطنين وتغطيتها لاحتياجات أساسية ومهمة أو مفيدة واستخدامها للمرافق والخدمات والموارد العامة؛ نسبة استخدام الطاقة المتجددة والاستثمار فيها؛ تكرير المياه؛ النقل العام والمواصلات؛ الاتصالات وعلاقتها بالعمل والإنتاج وزيادة الموارد؛ كفاء التعليم والمهارات العامة، والتقنية التي يقدمها التعليم.
لماذا لا يؤدي النمو الاقتصادي والثراء دائما إلى تحسن في الحياة والتعليم والصحة والسلوك والثقافة وارتقاء بالصناعة والتقنية؟ ولماذا لا تسلك أساليب الحياة والإدارة الاقتصادية والسياسية في حالة ندرة الموارد، على النحو الذي يعظمها ويفعّلها.. وينشئها أيضا؟
الغد

