صحيفة الكترونية اردنية شاملة

كارثة الاستقطاب الطائفي..!

0

عندما احتلت غزوات “داعش” الأخيرة في العراق عناوين الأخبار، سألتني صديقة تتصل من أوروبا: “هل وصلتكم داعش؟ انظر من الشباك”. لم يكن الإحساس الذي ولدته الدعابة محبباً أبداً. تخيلت الشاحنات المحملة بأشخاص سود الملابس مدججين بالسلاح، يطلقون النار ويملأون الشوارع دماً. ذلك لا قدر الله، سيصنع جحيماً من بلد معتدل ومنفتح نسبياً مثل الأردن، وسيجعل الحياة لا تطاق. لن يكفيك حتى كونك مسلماً سنياً متوسطاً ليرحمك المتشددون الذين عينوا أنفسهم ممثلين لطائفتك. لن يعجبهم كونك مسلماً معتدلاً أو متسامحاً وسيستهدفونك بالأذى، وربما بالتصفية؛ تشهد على ذلك مئات الفيديوهات التي تبثها هذه الجماعات عن تصورها للصواب وتعاملها مع ما تراه خطأ. أما الأهم والأعلى، فهو أنه ليس هناك ما هو منطقي ولا إنساني ولا ديني في استهداف أحد على أساس العرق أو الملة أو الطائفة. وسواء استهدف السني الشيعي أو العكس، أو استهدف المسلم المسيحي أو العكس، لمجرد اختلاف تفسير الغيبيات، فإن كليهما مجرم وفق أي مقياس أخلاقي، ولا علاقة له بأي شيء يوصي به أي دين خيري المبدأ والوسيلة والمنتهى. وإلا، صارت الدنيا غابة يتناحر فيها أصحاب العقائد المختلفة فقط، ولا يكون لهم شغل إلا هذا، كما هي حال الغابة التي يصنعونها حولنا.

في العالم الذي تجاوز الهمجية الصفيقة، تتنافس الأمم على أساس المصالح الاقتصادية والتقدم العلمي. ليس التنافس بين أميركا والصين قائماً على أن أميركا مسيحية والصين بوذية، ولن تهبطا إلى تصويره كذلك. وحتى القسمة العالمية الكبرى التي شخصت قسطاً كبيراً من القرن العشرين، كانت معنونة بمصطلحات اقتصادية: المعسكر الرأسمالي في مواجهة المعسكر الاشتراكي. لكن هذه المنطقة المصرة على الانفصال عن الواقع، وكأنما تنقصها أسباب التخلف أصلاً، عنونت تنافسها الدموي المفتعل أخيراً بعنوان غير عملي على الإطلاق: السنة في مقابل الشيعة -أو حتى الإسلام في مواجهة العالم. ولمختلف المصالح التي لا تخدم أي مواطن عادي في المنطقة، أصبح ذلك يسوّق على أنه صراع وجودي. وتحت هذا العنوان بالذات، أديرت الصراعات التي دمرت كلاً من العراق وسورية، وشوهت نضالات اليمن والبحرين. واستخدمت أطراف وأنظمة مختلفة هذه القسمة لإخراج الثورات العربية عن مساراتها ومرتكزاتها العملية: الحرية والخبز والديمقراطية، وحولتها إلى صراعات عقائدية وعصبوية بالغة الأذى والتدمير، لخدمة بقاء كيانات ومصالح لا تصلح للتصنيف في فئة الإنسانية من الأساس.

عندما نشاهد عملية قطع يد في منطقة منكوبة بالمصائب والفاقة، يحضرها جمع من الناس الذين تبلدت فيهم المشاعر، ثم لا يقوى الساطور على قطع اليد من الضربة الأولى ولا الثانية، فيحزها الجلاد بالحد المثلم وصاحبها يتلوى؛ عندما نشاهد الإعدامات الفظة وأكوام القتلى بدعوى الطائفية أو محاربة الاستعمار؛ عندما يخطب مجانين بدعوى الأخلاق والورع في جمع من الناس بحماس جذل، ثم تكون المناسبة “إعدام عود” -تحطيم الآلة الموسيقية والاحتفاء بذلك وكأنه الفتح المبين؛ عندما نرى ذلك وأبشع، يختلط العقل بالجنون الذي يجتاح منطقتنا ولا يترك أحداً في مأمن. لا يمكن أن تكون هذه هي الوصفة للتخلص من الهيمنة الاستعمارية وظلم الأنظمة المحلية –خاصة إذا كانت أكثر الكيانات تخلفاً ورجعية وقلة عدالة وإنسانية هي التي تمول التشدد والطائفية وتوظفهما.

الصراعات الطائفية والعرقية هي سمة الأماكن والتجمعات الهمجية: التطهير العرقي-الديني ضد المسلمين في ميانمار، يشجبونه لأنه في حق المسلمين ويروجون لأسوا منه هنا؛ الإجرام العرقي في رواندا وأفريقيا العصابات وسيريلانكا البائسة. ليس أياً من هذه الأماكن مثالاً يحتذيه من يزعمون لأنفسهم ثقافة ناهضة وغايتهم التحرر. لن تنفع الخصومات الطائفية الدموية أحداً في هذه المنطقة التي ينبغي أن توحدها مصيبتها وتخلفها حول أدنى مشترك، علها تفلح. لكن المحبط العجيب في هذه المناخات الكارثية، هو كثرة الضحايا المتلبسين بقدسية الانتحار الذاتي والتفرغ لإبادة “الآخر” المختلق على أساس الطائفية الكفيلة بتدمير الجميع بيد الجميع، بما يضمن فقط تأبيد تبعية المنطقة وهزالها، كما يحدث. وبينما يتنافس الآخرون على الاقتصاد والحريات، شغلونا تماماً بالرعب، أو المشاركة العاطفية أو الدعائية أو العملية في المذابح تحت شعار أحقية المذهب وإلباس السياسة قناع الدين!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.