شراكة من طرف واحد
عاتبني بعض الاصدقاء قبل فترة لكثرة الكتابة عن موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأنني لا أعطي الحكومة حقها في هذا الامر، وأن الظرف الاقتصادي الراهن للخزينة يقتضي المرونة باتجاه السلطة التنفيذية التي هي بأمس الحاجة إلى الأموال لسداد العجز المتنامي، وأن على القطاع الخاص مسؤوليات اجتماعية واقتصادية كبيرة في هذه المرحلة الحساسة والاستثنائية.
حقيقة لم أقتنع بهذه المبررات، وما يؤكد ذلك ما شاهدته مؤخرا وأثار عجبي ودهشتي، وهو مسودة قانون الشراكة بين القطاعين المعروضة على مجلس النواب الآن والذي بدأت لجنة الاقتصاد والاستثمار مناقشة بنوده بحضور مسؤولين من الحكومة الرشيدة.
المفاجأة كانت في المادة الخامسة من مشروع القانون والتي نصت على ما يلي: يشكل مجلس يسمى مجلس الشراكة بين القطاعين العام والخاص برئاسة رئيس الوزراء وعضوية وزير المالية ووزير الصناعة ووزير التخطيط ومحافظ البنك المركزي ومدير الوحدة.
لاحظوا جميعا، يتحدثون عن مجلس للشراكة بين القطاعين ولا يوجد أي ممثل للقطاع الخاص في المجلس، نعم هذه نسخة مشروع القانون المقدمة للأسف من الحكومة، ما يثبت حقيقة عقليتها الإقصائية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات، فهي لا تحترم أبدا دور القطاع الخاص، ولا تنظر له كشريك في العملية التنموية، وما هو إلا عبارة عن صندوق لرفد خزينة الحكومة لتمويل نفقاتها غير الرشيدة المتزايدة.
أمر مضحك ما تضمنه هذا المشروع الذي من المفترض أن يعمل على مأسسة العلاقة الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص، فالمشرع الرسمي صاغ مفهوم الشراكة في المجلس من باب ان الحكومة هي صاحبة الولاية في كل شيء، ولا يجوز أن تتشاور مع أي جهة كانت.
الواقع أن هذا المنطق لا يحدث في أعتى البلدان الديمقراطية التي تنتخب فيها الحكومات مباشرة من الشعب، وليس كحالتنا التي يعين فيها الرئيس والوزير ولا يعرف كل منهما الآخر، ولا يعرفان لماذا جيء بهما الى هذه الوزارة او تلك، فمعظم السادة الرؤساء والوزراء على حد سواء، يخرجون من مناصبهم كما دخلوها غرباء لا يعرفون لماذا، ولماذ خرجوا، فلا برنامج عمل ولا خطة تعتمد لأعمالهم.
تصرفات الحكومة الأخيرة مع القطاع الخاص، وسيطرة عقلية الجباية على مسؤوليها من الرئيس مرورا بوزير ماليته، تؤكد أن هذه الحكومة هي حكومة محاسبية أكثر منها حكومة سياسية واقتصادية، فهي تدير الدولة بالقطعة وعلى نظام الفزعة، ولا تفكر في في أرقام الموازنة آخر الشهر، وهي عاجزة عن التحاور مع أي جهة كانت.
سلوك الحكومة العرفي في التعامل مع القطاع الخاص، سيترك آثارا سلبية على مستقبل التنمية والاستثمار في البلاد في الفترات المقبلة والتي قد تكون الحكومة حينها رحلت، وتدفع البلاد ثمن هذا الاستهتار بالقطاع الخاص، فالمحاكم الدولية الآن بدأت باستقبال طلبات شكاوي بحق الأردن من كبريات الشركات العالمية المستثمرة في البلاد، من أمثال شركات “زين” و”اورانج” ومجموعة ابوظبي للاستثمار ومجموعة فؤاد الغانم الكويتية، وكلها تطعن بقرارات الحكومة الحالية التي بات واضحا أنها هدمت ما بناه الملك في السنوات العشر الأخيرة من تلاحم القطاعين في العملية التنتموية.
[email protected]

