قروض بالجملة
ها هو البنك الدولي يعود من جديد ويقرض المملكة قرضا ميسرا بقيمة 250 مليون دولار وبفائدة منخفضة جدا، للحد من تداعيات الازمة السورية وانقطاع الغاز المصري المتكرر، الذي يؤثر على الاقتصاد الوطني.
في الوقت ذاته، يستعد الاردن إلى طرح جديد، وهو الثاني من نوعه في أقل من عام، وهو سندات اليورو بوند بقيمة مليار دولار بكفالة الحكومة الأميركية، بعد أن كان نجح في طرح ممثال في تشرين الثاني الماضي بقيمة 1.25 مليار دولار.
الأمر لم يقتصر على هذا الحد، فالحكومة تواصل عمليات السحب المقررة مع صندوق النقد حسب اتفاق التسهيلات المبرم بينهما، والقاضي بمنح المملكة ملياري دولار خلال ثلاث سنوات مقابل تنفيذ جملة من الاجراءات، أهمها رفع تعرفة الكهرباء وتعديل آليات الدعم في المحروقات والخبز، ومن المتوقع أن تتلقى الخزينة في الايام القليلة المقبلة دفعة جديدة من الصندوق بقيمة 270 مليون دولار.
قبل أيام تعهدت الكويت بتقديم منحة مالية بقيمة 50 مليون دولار لدعم المملكة في مواجهة تداعيات الأزمة السورية، وهذه منحة لا تدخل في حسابات الدين، ومثلها الكثير الذي يقدم للأردن في الآونة الاخيرة نتيجة الظرف الاقليمي، وهي تلعب دورا مهما في تنشيط الاقتصاد، وتجاوزه لتداعيات الظرف الاقليمي الصعب، لكن ما يهم المواطن تلك القروض التي تتدفق على الخزينة بشكل متسارع.
واضح أن معدلات الدين العام تجاوزن فعلا كل الحدود القاقنونية الآمنة، فالحكومة ضربت بعرض الحائط قانون الدين العام، الذي حدد نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي بـ60 في المئة كحد أعلى، علما أنها الآن تناهز الـ80 في المئة، وبقيمة إجمالية تقترب من الـ 27 مليار دولار.
مواصلة الحكومة عمليات الاقتراض الخارجي على هذا النحو المتسارع، سيجعل الاقتصاد الوطني أسير توجهات المانحين والمنظمات والمؤسسات الدولية، ويجعل قدرة الحكومة على المرونة في اتخاذ قرار مالي مستقل أكثر صعوبة.
الأكثر خطورة في عمليات الاقتراض هو غياب الاستراتيجية الحكومية الواضحة في معالجات الدين والوقوف عن تداعياتها الخطيرة، فباستثناء تصريح محافظ البنك المركزي الاسبوع الماضي لوكالة أنباء رويترز العالمية، التي أكد فيها ضرورة تخفيض معدلات الدين بنسبة 9 في المئة سنويا، لم نسمع من الحكومة عن إجراءات فعلية لتحقيق هذا الهدف.
إذا كانت عمليات الاقتراض الخارجي التي تقوم بها الحكومة حاليا تهدف للاستفادة من معدلات الفائدة المنخفضة وفترات السماح الكبيرة التي تتمتع بها من أجل استبدالها بديون ذات فائدة مرتفعة، فان الأمر يبشر بالخير، ويؤكد أن الحكومة تعمل بالشكل الصحيح في معالجات المديونية، أما إذا كانت فقط تستغل الظرف الدولي الراهن بمنح تسهيلات إقراضية للمملكة بسبب الظروف الدولية فإنها تسير بالطرق الخاطئة ، لانه في النهاية دين على دين، وفي ظل اقتصاد لا يقدر نموه الراهن توفير دخل إضافي يساهم بسد التزامات الدين، وهذا الذي يجب أن تجيب عليه الحكومة صراحة، لماذا تقترض بهذا الشكل الكبير؟
لا شك أن الأردن يتمتع في الوقت الراهن بدعم دولي كبير نتيجة مواقفه الاقليمية والدولية، خاصة المتعلقة بالأزمة السورية، وهو ما يجعل عمليات الاقتراض أسهل بكثير، وهو ما على الحكومة أن تلتفت إليه وتتوقف عنده كثيرا، لأن الاقتراض الراهن مدعوم بشكل أساسي بعوامل سياسية دولية أكثر، ما قد يعتبره البعض إصلاحا اقتصاديا، بدليل أن المساعدات الخارجية التي تلقتها الخزينة على مدى الاعوام القليلة الماضية هي التي أنقذت الاقتصاد الوطني من أزمات كبيرة كادت أن تعصف بمنجزاته، وهي التي ساهمت بتحقيق الاقتصاد الوطني لمعدلات نمو مواجهة الضعيفة في العام الماضي والبالغة 2.8 في المئة من الناتج، ما يعني أنه لولا تلك المساعدات لكان النمو أقل من ذلك بكثير.
[email protected]
[email protected]

