صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الأسواق تدحض مقولة (نهاية التاريخ)

0

على ما يبدو، بدأ التاريخ من جديد. في 1990، بعد سقوط جدار برلين، تنبأ فرانسيس فوكوياما في مقولته الشهيرة إننا لم نكن نشهد فقط نهاية الحرب الباردة، وإنما “نهاية التاريخ”. وقال إن تطورنا الأيديولوجي قد اكتمل، وإن الديمقراطية الليبرالية الغربية اكتسبت طابعاً عالمياً، باعتبارها “الشكل النهائي من الحكم الإنساني”.

ويبدو الآن أن من السابق لأوانه الإعلان عن انتهاء الحرب الباردة، ناهيك عن التاريخ نفسه. ويذكرنا الحوار بين واشنطن وموسكو خلال الأسابيع القليلة الماضية، بصورة مؤلمة، بعهدٍ ظننا أنه انتهى قبل نحو 30 عاماً.

ولعل ما يكمن أمامنا هو قدر أكبر بكثير من التاريخ. وهناك جوانب واضحة من التوازي بين الأحداث في القرم والروابط الأولى في سلسلة الأخطاء قبل 100 سنة، التي حولت حادثة اغتيال في سراييفو إلى حرب عالمية شاملة، حتى بدون الخليط المشوش الحالي من المنظور التاريخي.

لكن التاريخ لم يبدأ فجأة من جديد خلال الأسابيع القليلة الماضية. ما حدث هو أن المخاوف ترتفع منذ سنوات في أن “التطور الأيديولوجي” أبعد ما يكون عن الاكتمال، وأن هناك أيديولوجيات مختلفة تماماً عن الديمقراطية الغربية مستمرة في الهيمنة. هذا هو ما قالته الأسواق. تعكر مزاج المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة قبل نحو ثلاث سنوات، واستمر في التفاقم. وتوجد عدة محركات وراء ذلك، لكن يغلب على أحدها أن يُحذف. وأعني به أن المستثمرين يتخوفون من الانحرافات السارية الآن في الرأسمالية الغربية.

جون بول سميث، رئيس قسم أبحاث الأسواق الناشئة في دويتشه بانك، يقسم الأسهم في مؤشر مورجان ستانلي المركب للأسواق الناشئة إلى أسهم تسيطر عليها الدولة، وأسهم لا تسيطر عليها الدولة. ومنذ أيلول (سبتمبر) 2011، احتفظت الأسهم غير الخاضعة للدولة بقيمتها تقريباً -تراجعت بنسبة 2 في المائة فقط. أما الأسهم التي تسيطر عليها الدولة فقد تراجعت بنسبة 12 في المائة.

فضلاً عن ذلك، البلدان التي تقع معظم الشركات الكبيرة فيها تحت سيطرة الدولة تراجعت أكثر من غيرها. وتشتمل هذه على الصين “حيث تدير الدولة 78 في المائة من أكبر الشركات المدرجة في البورصة”، والبرازيل “30 في المائة”، وروسيا “55 في المائة”.

وانزعاج المستثمرين يعود إلى أماكن أبعد كثيراً من روسيا. انظر إلى تركيا التي تقلب المواقف الغربية الأساسية نحو حرية الكلام بإغلاق “تويتر” و”يوتيوب”، أو البرازيل التي تدار منذ أكثر من عقد من قبل حكومات يسارية.

في البرازيل يتم التداول في أسهم الشركات التي تسيطر عليها الدولة بأقل من 10 في المائة من قيمتها الدفترية، بينما تباع شركات أخرى بثلاثة أضعاف القيمة الدفترية. هناك نتيجة جانبية للمشاريع المملوكة للدولة، هي أن الأموال الأجنبية تصب في أي شيء آخر تستطيع العثور عليه – ما يؤدي إلى عمليات تقييم متطرفة. وفي روسيا، بعض شركات التجزئة غير المملوكة للدولة يتم تداول أسهمها بتسعة أضعاف القيمة الدفترية.

وهناك أسباب قوية، خصوصاً منذ أزمة 2008، كي يدير الناخبون في البلدان النامية ظهورهم للأنموذج الغربي. فالروس يشعرون بالقرف من الطريقة التي تم بها تأميم أغلى ما لديهم في التسعينيات، وهو ما أدى إلى حكم المتنفذين الأغنياء.

حتى المكسيك التي تتمتع بالحظوة لدى المستثمرين، تشعر باستياء عميق من عمليات التخصيص الفاشلة في الثمانينيات والتسعينيات. وتظل شركة النفط التي تملكها الدولة مغلقة في وجه المستثمرين الأجانب.

كذلك تشير حكومات الأسواق الناشئة إلى أن وضع الميزانية العامة فيها أفضل كثيراً من ميزانيات الغرب. فقد ارتفعت المديونية في الأسواق الناشئة لفترة قصيرة فقط بعد الأزمة، بينما كان الوضع مختلفاً في الغرب. لكن مستثمري الأسواق الناشئة لا تزال أمامهم قضايا شائكة، لكن ما من معنى لأن تعامل جميع الأسواق الناشئة على أنها تشكل فئة أصول واحدة. ورُخص الأسواق الناشئة ككل، الذي يتلهف عليه المستثمرون، يتبين عند التدقيق أنه ناشئ عن نفور عميق من القطاعات التي تسيطر عليها الدولة، مثل الشركات المالية في الصين، ما يؤدي بالتالي إلى رخص أسهمها. أما الأسعار في بقية القطاعات، إن كانت مختلفة، فإنها تبدو فوق قيمتها الحقيقية.

هل الوضع الآن هو أنه لا مفر من التراجع إلى أيديولوجيتين ونهاية العولمة؟ لا. ماركوس سفيدبيرج، من إيست كابيتال، التي تستثمر في روسيا، يشير إلى أن “روسيا غنية فوق الحد على نحو لا يسمح لها بأن تتحمل الإدارة السيئة للشركات لفترة أطول كثيراً”. ولأنه تم إثراء وتمكين الطبقات الوسطى في مختلف الأسواق الناشئة، فإن ديناميكية “الفوكويامية” باتجاه الرأسمالية المدفوعة بالمساهمين سيكون من الصعب إحباطها.

لكن لا نستطيع أن نأخذها على محمل التسليم، مثلما فعل كثير من المستثمرين أثناء العصر الذي كان يبدو فيه أن التاريخ قد انتهى.

وتترتب على هذا مضامين بالنسبة لأسواق الأسهم في البلدان المتقدمة، التي تجاوزت في الشهر الماضي مستوياتها التي كانت عليه قبل الأزمة، قبل أن تعود وتتعثر من جديد. ويمكن أن نعتبر السوق الصاعدة خلال التسعينيات بمثابة رد فعل على “مكافأة السلام” التي جاءت مع سقوط جدار برلين. وهي مكافأة كانت أكبر من حجمها الحقيقي، اندفعت معها الأسواق وتجاوزت الحد المعقول.

الآن لا بد للمستثمرين أن يسألوا ما إذا كان يتعين عليهم أن يسددوا جزءاً من مكافأة السلام التي حصلوا عليها فعلاً. فالعقوبات المقترحة على روسيا تنطوي على العودة عن العولمة، بطريقة تؤذي الجميع. وهناك بطبيعة الحال مبررات لمثل هذه العقوبات، لكن هذه نقطة مستقلة.

إن تقييم المخاطر السياسية أمر صعب بالنسبة للأسواق، فهي لا تتقن ذلك وربما تكون قد بالغت في رد فعلها في الأسواق الناشئة. لكن هناك حاجة الآن إلى أن نضع موضع التساؤل الافتراضات حول انتصار العولمة والرأسمالية. وبالفعل بدأ المستثمرون في الأسواق الناشئة يطرحون الأسئلة منذ الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.