حدوثة رعب مصرية.. الجزء الثالث
7:30 صباحا قسم شرطة الزمالك :
صرخ المقدم عبد الحليم بأعلى صوته “ماذا تقول؟!!!!!”
تركت كلماته صدى قوي في زوايا ممرات القسم، أجاب الشرطي الذي كان يحادثه على الهاتف “لا يوجد هنالك أثار للسرقة في شركة المارسيدس سيدي.”
“ماذا يعني كلامك؟ أظن ان تحليلك ناقص!!!”
” يا سيدي اسمح لي ان افسر لك ماذا اقصد، هذه السيارة كانت تنتظر محرك جديد من مخازن الشركة بسبب عيب صناعي من بلد المنشأ تم اكتشافه وقت الصيانة الدورية، فكانت الشركة ستغيره على نفقتها طبعا من غير اي تكلفة للعميل، و بحسب مدير صالة الصيانة كانت بلا محرك فقد قاموا في الامس بفك المحرك من السيارة…”
قاطع المقدم “فإذا كيف تحركت من الشركة…أريد تحليلات منطقية للحادثة!!!”
“يا باشا دعني أكمل ارجوك، صدقني ليس هنالك اثار للسرقة فابواب الصالة سليمة والمفاتيح الالكترونية التي تتحكم بها سليمة و المدير قام باغلاق الصالة جيدا و أكد لي انه كان موجود بسهرة عرس لأقربائه و الشهود كثيرة على وجوده في العُرْس، ليس هنالك اي دليل على اي إقتحام للشركة…”
“اذا كيف ستخرج سيارة من دون محرك من قسم الصيانة يا أبله و من غير كسر الابواب، حتما هذه جريمة مرتب لها و سأعلمك فن التحليل المنطقي يا أخي، تم نقل المركبة الى مكان آخر و ركبوا لها محرك لاستغلالها حتما باعمال غير قانونية، أو ربما تم تركيب المحرك داخل الصالة قبل السرقة تماما بكفاءة عالية، اجلب مدير صالة الصيانة معك لاسئله بعض الاسئلة فورا فهنالك أمر مريب بشكوى سرقت هذه السيارة التي تقدم بها، “
اغلق المقدم عبد الحليم الهاتف و هز راسه المثقل بالهموم و الصداع، أغرب قصة سرقة على الاطلاق و الواضح ان الترتيب تم من الكادر الداخلي للشركة، هذا ليس مريحا فربما كان هنالك مافيا وراء هذا العمل المنظم، فنفذوا ما نفذوا بها و تركوها في كورنيش النيل، توعد بقرارة نفسه “لن يقبض عليكم سوى المقدم عبدالحليم وانا من أكفئ ضباط دفعتي وسجلي يتمتع بالعديد من الانجازات،”
كان عبدالحليم شوكت من انبه و أقوى رجال الشرطة في صفوف الضباط في القاهرة، و كان يُعْرَفْ بالبلدوزر لانه عندما يضع يده على قضية كان لا يتركها الى حين القبض على جميع مرتكبي الجريمة فيها، فكانت قضاياه تتحول الى المكاتب النيابة مغلقة و ناقصة فقط تداول القضاة في المحكمة، و نظراً الى عمله المخلص للامن في القاهرة ارتئى رئيس النيابة ان يدعمه في عمله فكان رئيس القسم الوحيد الذي سمح له بالتحقيقات المباشرة و صلاحيات محقق كاملة، و لكن هذا النجاح كان له ضريبة كبرى بحياته المهنية و العائلية، فصنع له اعداءا كثيرة بعالم الإجرام لدرجة انه ببعض القضايا كانت تأتيه التهديدات لبيته و اسرته مباشرة، بل حاول بعض من اصحاب المافيات اذية والديه بالمنزل في قضية من القضايا الكبيرة التي استلمها، و لكن تفهم أهله لطبيعة عمله ساعدهم بتحمل هذه الضغوطات المقلقة، فلا نجاح من دون ضريبة بهذه الحياة و خصوصا مع ضابط مثالي مثل عبدالحليم و سجله المشرف بعالم الأمن، فكانوا يعلموا بقرارة أنفسهم ان الخوف و الخنوع في وجه هؤلاء المجرمين سيجعلهم أقوى من الأمن و القانون و هذا من أكبر المستحيلات ليحدث مع اسرة ضابط في الشرطة،
كان الصباح في القسم هادئا بغير عادة و لم يدخل عليه ولا مشتكي، فحتى سيارات الشرطة التابعة لقسمه لم تبلغه بأي اشارات مستعجلة، وضع غير عادي فمنذ اندلاع ثورة 25 من يناير و المشاكل الأمنية كانت بإزدياد و بتنوع كبير، فمن النشل الى السرقات إلى النصب و الإحتيال الى محاضر التعدي و الضرب كان قسمه حافل بالأحداث اليومية التي ينتهي جزء منها بتصالح أطراف النزاع مع بعض و جزء آخر بسجن المشتكى عليه و تحويلها الى النيابة العامة للمداولة، اطباع أهل القاهرة أصبحت أعنف و اشرس و خصوصا مع اشتداد الأزمة بعد عزل الرئيس مرسي في 30 من يونيو، تغيرت القاهرة و مصر كثيرا من مدينة مسالمة يعيش أهلها على أمل غد مشرق أكثر و تحصيل لقمة العيش الى غابة كبيرة مع اشتداد سوء الأحوال الإقتصادية و المشاكل السياسية، فأخرج الكل مخالبه من الخوف و القهر الذي يرونه و أصبح العنف طريقة التعامل الوحيدة مع المجتمع من حولهم و مع بعضهم البعض، بل حتى اختفيا الوئام و السلام نهائيا و أصبحت الكثير من الشوارع و الأحياء منقسمة على ذاتها بين مناصر و مؤيد لعزل الرئيس مرسي و الشاطر من أنصاره هو الذي يثأر لهذا العزل…فبالنسبة إليهم عملية العزل تبرر القتل و دمار الممتلكات الشخصية و التعدي على الآخر و حرق ممتلكات الدولة،
و لكن لهذه اللحظة لم تأتيه أية شكاوي او قضايا اليوم، شَكَرَ لله على هذه النعمة و استرخى في مقعده لأول مرة منذ اسابيع طويلة ليستمتع بِجَوْ الهدوء السائد من حوله، أمسك بكوب القهوة من على مكتبه و أخذ رشفة ساخنة منه، كان لذيذا كما يحبه…سُكَرَهُ حُلُو، و لما لا و التي أعدته النقيب ريهام مُعَوًضْ خطيبته و زميلته التي تَشَاطَرَتْ معه مسؤلية القسم طوال عام كامل، كم كان يحبها و يقدس حبه لها، فكانت تبادله نفس الحب و التقدير، تمت خطبتهم منذ شهر وسط لفيف من الاهل و الاقرباء و الاصدقاء، و تم الاتفاق على ان يكون الفرح بعد ثلاثة أشهر، ولكن كان شرطه الاساسي ان تنتقل من قسم الشرطة الى وظيفة مكتبية، فوافقت ريهام على طلبه و قدمت طلب النقل الى مرؤسها حيث وافق عليه متفهما وضعها الإجتماعي الجديد، فتم تكليفها بمهمة مكتبية بدائرة أخرى من دوائر الأمن المصرية، كان الإنسجام بينهم سر نجاح علاقتهم و بالرغم من انها كانت في الاربعين من العمر و كان هو في السابعة و الثلاثين الًا انه احبها و قدسها بحياته كثيرا، ركع قلبه لها منذ النظرة الأولة، و بالرغم من معارضت والدته و والده في بادئ الامر على سِنِهَا لانهم كانوا يريدون له اولاد الًا ان حب عبدالحليم و ريهام كان اقوى من اية معارضة او نواهي، وسرعان ما سلموا اهل عبدالحليم للامر الواقع بعد ما شاهدوا ولعهم ببعض و علموا ان إنفصالهم عن بعض سيؤلمهم كثيرا،
“أه كم احبك يا ريهام و كم يبرق جمالك في عيوني عندما انظر اليك و كأنك أيقونة حُسْن متكامل مرسعة بألف ماسة ثمينة، أحبك، أحبك يا ريهام،” أمسك فنجان القهوة الدافئ ليأخذ رشفة ثانية وابتسم، فإذ بعطرها عابق بالفنجان و علامات أحمر الشفاه واضحة على طرفه، عطرها المفضل كان الياسمين و لم تكن تضع غيره، اما أحمر الشفاه فكان بمثابة قبلة الصباح له، وضع شفتيه فوق احمر شفاهها و اخذ رشفة من القهوة، تمنى من كل قلبه ان تنتهي الأشهر بسرعة لتكون بين يديه و تصبح إمراته امام الله و الناس،
فجأة دَوًتْ سلسلة من الصرخات في ارجاء القسم، ارتعد عبدالحليم في مكانه و هو يصغي لها لدقيقة من الزمن ثم نهض خائفا مما عسى ان تكون، إنطلقت نحو البوابة مجموعة من رجال الشرطة لتتفقد الحادثة، فوقف عند باب مكتبه و نادى في الممر “مرسي! عبدالجبار! اجلبوا هذا الرجل الذي يصرخ بسرعة لارى ماذا هنالك!” مضت بضع ثوان و صل بعدها إثنان من الشَرِطَةِ ممسكين بشرطي يصرخ بصورة هستيرية “اتركوني! لست مجنون!” كان يحاول ان يهرب منهم لكن من دون جدوى فكانوا يحكمون قبضتهم على ذراعيه،
نظر الى الشرطي الاسير بتمعن، كان العرق يملئ جبينه و يبلل زيه العسكري الابيض، كان ذو بشرة سمراء اصلع الرأس و عيونه سوداء كسواد الليل، كان مجهد جدا و الهلع مرسوم على طلته الشابة، وبالرغم من قوامه الطويل و جسده القوي الا ان التعب كان قد انهكه فكان يتلوي بين يداي الحراس مثل الطفل التائه، قال له عبدالحليم متعجبا “هل انت شرطي ام تتنكر بزي الشرطة؟!”
فأجاب مترجيا “أنا الملازم أول أحمد حلمي سليم عبدالفهيم. أرجوك قول لهم ان يتركوني فأنا سوي و طبيعي.”
فاجابه احد الجنود الممسكين به “يا باشا امسكته سيارة رقم (زمالك 51) و هو يسير بالشوارع و يصرخ مثل المجانين- اظهري و اين انتِ و رايتها تختفي و تظهر…”
“أعطيني هويتك العسكريه لو سمحت، اتروكوه، ولكن ابقوا مكانكم”
توجه الشرطي الى احد المقاعد في مكتب عبدالحليم و جلس، انطلقت منه تنهدات عميقة و استرخى على الكرسي بتعب شديد، ثم أخرج الهوية العسكرية و اعطاها لعبدالحليم، فنظر اليها بتمعن للدقيقة ثم سأله “ما هو رقمك العسكري”
فأجاب “538904أ”
“هل انت مسيحي ام مسلم؟”
فأرتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالرغم من تعابير وجهه المنهكة و أجاب “يا باشا كيف اكون مسيحي مع الاحترام وأسمي أحمد عبدالحليم،”
أكمل عبدالحليم بنبرة آمرة “تاريخ ميلادك لو سمحت؟”
“السابع عشر من يوليو عام الثمانين”
“اذا عمرك اربعين عاما؟”
اجاب بقليل من التعجب “سلامة فهمك عمري 30 عام”
فكر عبدالحليم في ذاته متعجبا “من الواضح ان مازال ذهنه متماسك فماذا حصل لك يا زميل؟”
تابع أسئلته قائلا “قل لي ماذا جرى لك يا احمد بهدوء و سأصدقك؟”
“كانت واقفة عند سياج الجسر فوق النيل،”
“من هي؟”
“الجنية،”
كاد ان يضحك و لكن مارس ضبط النفس اكراما لمعانات زميله بالمهنة، “أكمل،”
فتابع احمد بتعب و صوت ضعيف مجهد “كانت سيارتها واقفة عند جانب الشارع الرئيسي و هذا مروريا مخالف، فناديتها و قلت لها انها مخطئة بالاصطفاف، فقالت لي بصيغة ألأمر انه يحق لها الاصطفاف اينما تشاء، فحررت لها مخالفة و لكن هزئة بي وقالت عند أبيها نقود كثيرة، فطلبت اسمها و لكن وبختني و قالت لي انها ملكت البلاد،”
“لا تنسى اننا بعهد الملك فاروق؟”
“نحن بجمهورية الان و في سنة الفين و اربعة عشر و التاريخ هو الثلاثين من أيلول،”
نظر عبد الحليم الى الشاب و بدى القلق ينتابه، فلا يعقل لاي مجنون ان يتمتع بهذه النباهة، فأمره باهتمام ان يكمل،
“فجأة أختفت، فبحثت عنها فلم أحدها، و تفقدت السيارة الحديثة التي برفقتها فلم أجدها…”
“هل بحثت تحت الكراسي فربما تكون مختبئة تحتها؟”
“لا الومك فاذا كنت مكانك لسألت أكثر من هذه الاسئلة، امسكت بالراديو لابلغ المركز عن السيارة وفجأة ظهرة من ثانية و ركبت السيارة و انطلقة،”
فجأة زاد توتر عبدالحليم و تحول الى الخوف من كلام الضابط، فنباهته فعليا لرجل طبيعي و لكن التفاصيل الخارقة للطبيعة الذي يرويها لا تصدق إطلاقا، و لكن لا مفر من استشارة النفسية في حالته، فقرر أخيرا و أمر،
أمر بنبرة رسمية “ايها الزميل سأطر لتحويلك الى مرؤسيك و الطب النفسي للمعاينة، قصتك أغرب من الخيال و لا استطيع عمل شيئ لك او اخلاء سبيلك و انت بهذه الحالة،”
نهض أحمد من مكانه وهو يترجى الضابط “لست بمجنون صدقني،”
“لا اتهمك بالجنون و لكن علي تحويلك الى أخصائي ليقرر في شأنك، أرجوك ضع نفسك في مكاني و ستعذرني، خذوه الى مكتب الضابط ريهام فلن تعود الا عند الظهر ثم ارسلوه بأي سيارة تغادر القسم الى المستشفى النفسي فورا،”
امسكوا الضباط بأحمد و ساعدوه على الوقوف وهويسأل بارتباك “الا تريد أوصافها، ربما ستظهر…” وفجأة صرخ صرخة قوية افزعت الكل حين تلاقت أنظاره بالضيوف الداخلين الى المكتب، صاح بذعر شديد متلويا بين يدي الضباط كالأفعى “متى غيرتي لون شعرك…هذه هيا الجنية!!!” هرع عبدالحليم لملاقات بولس و مرفت الذين افزعتهم نوبات الصراخ الهستيريا لاحمد وهو يآمر معاوينيه “خذوه بسرعة…هيا!!!! خذوه بعيدا بسرعة يا حرس!!!” وقف بين الرجل و الضيوف ريثما اخروجوه الحرس من المكتب،
سحبوا الحراس احمد و هو يصرخ و يلوح بيديه بجنون “هذه هيا الجنية!!!ارجوكم صدقوني!!! فهي ترتدي نفس البنطال الابيض و القميص الاخضر، أكاد أجن يا ناس!!!”
تحول صراخ احمد الى اصداء منخفضة لوهلة ثم اختفى بينما جلس بولس و مرفت و الخوف باديا عليهما من الموقف الغريب،
قسأل بولس بخوف “من هو هذا الرجل؟”
قالت مرفت مفسرة “انا لا اعرف هذا الرجل و هذه اول مرة التقي فيها بشخص مجهد الاعصاب بهذا الشكل، ما هي قصته؟”
اجاب احمد بتعابير متعاطفة و صادقة “انا أعتذر منكما بشدة و لكن في عملنا نحتك بشتى انواع البشر و القضايا،”
أجابت مرفت “انا شخصيا ارتعدت من الخوف عندما ادعى معرفتي و صرخ كالمجنون في وجهي،”
بقول بقليل من الرهبة “أعصابة تعب بسبب ما رأه في هذا الصباح، يقول انه رأى…رأى بأسم الله الرحمن الرحيم، جنية،”
هم بولس يسمي وصيلب يده على وجهه “باسم الثالوث الاقدس، الشر بعيد عنا جميعا انشألله”
قالت مرفت برهبة “لتحرسنأ صلاة العذراء الطاهرة،”
“لا تخافوا، سأعرضه على الطب النفسي بعد قليل، اما انا بولس باشا فتشرفت بقدومك لمكتبي، و لكنني احمل أخبار غير سارة، التحقيقات تشير الى ان سيارتكم قد تكون سرقت بتنظيم مدروس من قبل مجريمين ربما للقيام باعمال غير قانونية، سأتولى التحقيقات بنفسي في هذه القضية،”
سألت مرفت و هيا تنظر الى علامات الغضب البادية على وجه ابيها، “هل تعرضت السيارة للاسائة يا سيد عبدالحليم؟”
أجاب بنبرة هادئة مفسرا “انا شخصيا لم الاحظ اية خدوش على هيكلها او اي اداء غير طبيعي للمحرك، وللعلم، أخبرتني الشركة انه عندما فحصوها كان المحرك يعاني من عيب صناعي من بلد المنشأ و كانت تتخذ اجرآت لتغيره على نفقتها، لذلك كانت من دون محرك وقت السرقة، فلا اعلم بعد في هذه النقطة اذا تم تركيب محركت لها داخل صالات الصيانة ام اخذت الى مكان آخر و تم تركيب محرك ثان لهاـ و لكن اعدكم باجوبة سريعا على هذه الاسئلة لانها محيرة فعليا، “
رد بولس منفعلا و بغضب “هذه مهزلة كبرى!!! الا يوجد حراس أمن في هذه الشركة؟ سأتصل بوزير الداخلية شخصيا!” أخذ المحمول من جيبه لاجراء الاتصال الا ان عبدالحليم نهض من مكتبه و اقترب منه مترجيا و مطمئنا “بولس باشا أؤكد لك أنه لا داعي لطلب معاليه فأنا أعدك انني سالاحق المجرمين لحين القبض عليهم، “
اعاد المحمول الى جيبه قائلا “كيف لا تريدني ان ابلغ عن جريمة قذرة كهذه، المثل يقول مجنون يتكلم و عاقل يفهم! سحب سيارة بلا محرك يتطلب شاحنة قاطرة فأحضروا المجرمين شاحنة و نقلوا سيارة بأكملها من الورشة و في الليل؟ الم يراهم أحد؟ و اين الحراس، او حتي لو اعادوا تركيب المحرك للسيارة داخل الورشة الم يسمع شيئا الحراس؟ كل هذا و لا تريدني ان أخبر معاليه!!! ماذا جرى لهذه البلد بعد الثورة؟! من سيئ لأسوء حالها، إلا يوجد أمن و آمان؟!”
عاد عبدالحليم الى مكتبه و جلس من جديد قائلا “استدعيت مدير الصالة للتحقيق و سأعرف منه كل شيئ كما سأستدعي كادر الحراسة بأكمله و لكن أعطيني عطوفتكم و قت لتاخذ التحقيقات مجراها، ارجوك يا بولس باشا،”
“48 ساعة فقط، ان لم تأتيني بالاجوبة سأتصل مع اعلى المسؤؤلين، هل رفعتم البصمات عن السيارة؟ اذا لم تلزمكم في التحقيق ابنتي بحاجتها،”
“فعلنا هذا في الموقع الذي اكتشفنا فيه السيارة بالتعاون مع الاقسام المعنية، و فلولا تمت هذه الاجرأت كيف قدتها الى مركز الشرطة و طلبت منكم الحضور لأخذها،”
فجأة سمع صراخ أحمد يدوي في الممرات من المكتب المجاور “انا متأكد انها الجنية و ها هيا تلحق بي الى هنا!!! ماذا تريد مني!!!”
عاد الخوف الى مرفت مرة أخرى فقالت مرتبكة و معتذرة “انا آسفة لكن يجب ان ارحل لان جدول عملي حافل في المتحف، و بدء التعب يخيم علي من الحادثة قبل قليل،”
أخرج عبد الحليم المفاتيح و قال “واجبكم كبير و سأرافقكم للاطمئنان عليكم الى السيارة،” خرجا جميعا من مبنى القسم و عبدالحليم يستعطف بولس ليصبر الى حين انتهاء التحقيق، واما مرفت فكانت خائفة و متوترة، اتجه الجمع الى مصف الخاص لسيارات الشرطة خلف القسم ليجدوا العربية الثمينة تقف بلونها الاسود الانيق بجانب المدخل و كان وميض اشعة شمس الصباح يشع من هيكلها المتين، صافح عبدالحليم الباشا مودعا اياه بينما صعدت مرفت في السيارة، وضعت مفتاح السيارة في موضع التشغيل و ادارته لكن من دون جدوى، كررت المحاولة و لكن لم يصدر صوت للمحرك،
نادت الضابط “سيد عبدالحليم يبدو أن هنالك عطل في المحرك، أتساعدنا؟”
أجاب مبتسما “بكل سرور، هل فتحتي غطاء غرفة المحرك من فضلك، ربما تكون أسلاك البطارية بحاجة لضبط،”
فتحت مرفت الغطاء و خرجت من السيارة، اتجها جميعا الى المقدمة بينما رفع عبدالحليم الغطاء الى الاعلى، فصرخ الأسفلت الرمادية بوجههم بدل من محرك السيارة…
صرخ عبدالحليم “اكاد لا اصدق عيوني!!! يا الله انا قدتها وراء سيارة الشرطة الى هنا!!!” ركض الى داخل القسم وهو يصرخ “عبدالجبار!!!”
رد بولس باستياء “ما هذه المهزلة انا سأتصل بوزير الداخلية شخصيا.”
ركضت مرفت و هي تبكي الى والدها الذي ضمها بحنو محاولا طمئتها قائلا “لا تخافي فهنالك تفسير لكل شيئ،”
عاد عبدالحليم و عبدالجبار و اقتربا من السيارة، صاح عبدالجبار باعلى صوته “باسم الله الرحمن الرحيم، هذه السيارة قدتها يا باشا من كورنيش النيل الى الزمالك!!! اين ذهب محركها!!!”
قال بولس بنيرة صوت آمره “هل تكف يدك عن القضية لو سمحت!”
طلب رقم على هاتفه الخلوي ثم قال مربحا “صباح الخير يا نرجس، كيف حالك،… ممتاز…لا تشربِ القهوة بمفردك انا آت اليك…الشرف لي معاليكم…شكرا” اكمل بولس أمره الى عبدالحليم “لو سمحت أنقل هذه السيارة الى السكراب لأنني سأشتري غيرها لابنتي، فالها مزعج جدا،”
دخل المحقق الى القسم و الذهول يسيطر عليه، أخرجت مرفت الهاتف النقال و الدموع تنهمر من عيونها لتتصل بأمها كي تقلها الى عملها، الأحداث الغريبة في هذا اليوم المشؤوم سببت الضغط الشديد على اعصابها، لكن السؤال الأهم هو الى ما ستؤل هذه الاحداث اليه؟

