صحيفة الكترونية اردنية شاملة

تفوق أطفال آسيا يقلق الغرب

0

هناك دائماً “بُعبع” أجنبي جاهز للانقضاض على الأمريكيين، واليوم هذا “البُعبع” هو طفل آسيوي. يتوقع توماس فريدمان، الناقد الجهبذ الموجود للتعبير عن مشاعر القلق الأمريكية السائدة، أن الأطفال الآسيويين الذين يعملون بجد سـ “يأكلون غداءنا”. ساعدت نتائج اختبار البرنامج الدولي لتقييم الطلبة “بيزا”، التي أظهرت أن أطفال آسيا يعملون على تعزيز تقدمهم على أطفال الغرب، بنشر مشاعر القلق هذه بالذات في أنحاء الغرب كافة. والآن يصوّر الكتاب الجديد “الحزمة الثلاثية”، تأليف إيمي تشوا وجيد روبنفيلد، الآسيويين وغيرهم من المهاجرين على أنهم ينافسون الأمريكيين العاديين في العمل.
والإجماع المتنامي في الرأي هو أننا نحن الغربيين العاجزين نحتاج لأن نصبح مثل أطفال كوريا الجنوبية الذين يكدحون في التعلم في مدارس صارمة حتى منتصف الليل.
لحسن الحظ هذا ليس صحيحاً. فنحن لا نحتاج لأن نعمل بجد أكثر. بدلاً من ذلك سنواصل اتجاهنا في العمل بأقل جهد، والآسيويون قد بدأوا بالفعل اللحاق بنا.
لا يعتبر العمل بجد أحد “القيم الآسيوية” القديمة. فقد اعتاد الغربيون على العمل بجد أيضاً. كان عمال المصانع إبّان الثورة الصناعية يعملون سبعة أيام في الأسبوع. وحدهم الفرنسيون من كان يحصل على العطل مدفوعة الأجر عام 1936. وكان عديد من المدارس الأوروبية بمثل صرامة أي مدرسة في كوريا الجنوبية. ففي المسرحية الألمانية “صحوة الربيع” عام 1891، يصف فرانك فيديكيند مدرسة مليئة بطلاب منهكين ليست مختلفة تماماً عن المدرسة الثانوية الأوروبية التي حضرتها في الثمانينيات. وقد كَتَب إيان بوروما في كتاب “المبشر والمتحرر” أنه لأجيال من الزمن وحتى سقوط سايجون عام 1975، كان “الغرب” ينظر إلى أهل “الشرق” على أنهم “من الكسولين، والمنحلين، ومحبي المتعة، والسلبيين”.
واليوم يعمل الصينيون والكوريون بجد ليس بسبب القيم الآسيوية، بل بالأحرى يميل الناس للعمل بجد عندما يكونون فقراء ويدخلون فجأة إلى نظام يُتيح لهم المجال ليصبحوا أثرياء من خلال العمل الجاد. وهذا ما حصل في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وفي كوريا بعد حربها، وفي الصين بعد الزعيم ماو، ولعدد لا يُحصى من المهاجرين في الولايات المتحدة. مع ذلك بمجرد حصول الأشخاص على بعض المال، سيرغبون في المرح. وفي مسار المهاجر النمطي، كان الجيل الأول يُدير متجراً على الزاوية، والجيل الثاني كان طبيب أسنان، والثالث كان يعمل بدوام جزئي في متجر الروائح في سانتا في. وكما يقول كل من تشوا وروبنفيلد “عادة ما يميل نجاح مجموعة في أمريكا إلى التبدّد بعد جيلين”.
لقد بدأ الآسيويون في آسيا بالمرح أيضاً، فبعد أن أصبحوا من الطبقة الوسطى، لم يعودوا قادرين على تحمّل إرهاق العمل. تصدّر طلاب كوريا الجنوبية تصنيفات اختبار البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، لكنهم احتلوا المرتبة الدنيا في العالم المتقدم من حيث السعادة في المدرسة. وقال وزير التعليم الكوري، سيو نامسوو، لشبكة بي بي سي “أنا أعتقد أنه لا توجد بلاد أخرى حققت مثل هذا النمو السريع في غضون نصف قرن مثل كوريا، بطبيعة الحال، ونظراً لذلك، قمنا بتشديد الإنجاز في المدارس وفي المجتمع، بحيث كان الطلاب والبالغون يتعرضون لكثير من الإجهاد، وهذا أدى إلى ارتفاع معدلات الانتحار، أهدافنا الآن حول كيفية جعل شعبنا أكثر سعادة”. وفي أيامنا هذه، تعمل الحكومة الكورية على إغلاق المدارس في الساعة العاشرة ليلاً، وتغلق المدارس وأماكن العمل في أيام السبت. وتعمل الصين وتايلاند على الحد من الواجبات المنزلية أيضاً. ومن الممكن أن يتم الإبلاغ عن أي معلم تايلاندي يقوم بتحميل الطلاب فوق طاقتهم.
واليابان التي كانت تعتبر “بُعبع” الغرب الذي يأكل وجبة الغداء، تباطأت بالفعل. فقد انخفضت ساعات العمل بعد 20 عاماً من الركود الاقتصادي، إضافة إلى التنظيم الحكومي. وقد تكون البلاد الآن أسعد مما كانت في سنوات ازدهارها. وفي كتاب جديد بعنوان “بندينج أدفيرسيتي” من تأليف زميلي ديفيد بيلينج عن اليابان، يقول الشاب الياباني، يوشي إيشكاوا “آباؤنا لم تكن تبدو عليهم السعادة من وجهة نظرنا. كانوا يعملون لساعات طويلة جداً. كانوا يجنون المال، لكن العائلات في هذه الأيام تعيش حياة منفصلة. ربما نحن نسأل أنفسنا: ما الذي نعمل من أجله”؟
هذا هو السؤال الذي يواجه كل من لديه ما يكفي للعيش – كما يفعل الناس أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من الأزمة الاقتصادية. إذا نجح برنامج الرعاية الصحية “أوباماكير”، فستكون جميع الدول المتقدمة قد ضمنت الرعاية الصحية. ومن ثم تتوقف الحياة عن كونها معركة من أجل البقاء. قد يأسف الرأسماليون المتطرفون على هذا، لكنها حقيقة لها عواقبها على ساعات العمل. يقول جوناثان بورتس، مدير المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في المملكة المتحدة، مع تطوّر التكنولوجيا “يمكنك المجادلة بأنه إذا لم تنخفض ساعات العمل، فهناك أمر ما خاطئ”.
هناك عامل آخر ينبغي أن يستمر في تخفيض ساعات العمل في البلدان المتقدمة: رعاية الأطفال المشتركة. الآن يرغب الرجال والنساء على حد سواء في الجمع بين العمل وتربية الأطفال، وهذا يعني أنه لا أحد يستطيع البقاء في المكتب أثناء كامل الدوام بعد الآن، شيريل ساندبيرج، الرئيسة التنفيذية لـ “فيسبوك”، تحث النساء على “التقدم إلى الأمام” في العمل. لكن جيلي من الآباء “يميلون إلى الابتعاد” وهم لا يقتنصون الوظائف العُليا لأنها قد تعني عدم وجودهم في المنزل في وقت الاستحمام. وفي الواقع، ساندبيرج نفسها تقتبس من استبيان لشركة بيو للبحوث من عام 2012، وجد أنه من بين الأمريكيين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، قال عدد من الرجال (59 في المائة) أقل من النساء (66 في المائة)، “إن النجاح في حياة عملية أو مهنة مرتفعة الأجر أمر مهم في حياتهم”.
والغربيون الذين يختارون قضاء حياتهم في المكتب سيصبحون مجموعة مختارة ذاتياً ومتقلصة. والضجة التي أُثيرت بعد موت متدرب “بانك أوف أمريكا” في لندن العام الماضي، ربما من الإرهاق، تعكس الرغبة الكبيرة لتثبيت تهمة القتل على المصرفيين، لكنها تعكس أيضاً النفور المتزايد من إدمان العمل.
والمناضلون مثل فريدمان، وتشوا وساندبيرج يرغبون في رؤية الجميع يبذلون ما في وسعهم. لكن المجتمعات في الغرب والشرق تسعى الآن لشيء آخر: ذلك التوازن العجيب بين المكتب والمنزل والتجوال على موقع يوتيوب.
الاقتصادية- فاينايشال تايمز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.