جيوب المواطنين هي الحل
هناك رأي يروجه البعض بأن خزينة الدولة هي من جيوب رعاياها، وبالتالي لا يوجد ما يمنع الحكومات من اللجوء الى تلك الجيوب لتمويل نفقاتها المتزايدة .
هي مقولة ينقصها الكثير من التدقيق والواقعية، فأموال الخزينة جزء منها جيوب المواطنين وليست كلها، والباقي يأتي من ايرادات الدولة المختلفة من استثمار وملكيات واصول وموجودات وغيرها من ايرادات.
في الحالة الاردنية باتت جيوب المواطنين هي الحل الرئيسي لمعظم مشاكل الدولة الاقتصادية.
ما يجري هو أن الحكومة تخطئ، وعندما تفعل ذلك لا تجد من حل سوى المواطن كي يدفع ثمن الخطاء من خلال الاعتداء المباشر على جيبه ودخله.
لو أن هذه الحلول التي تفرز الازمات أكثر مما تنتج معالجات جادة توقفت عند هذا الحد لهان الأمر. ما يجري هو ان الاعتداء لا يكون على حساب كل المواطنين، انما على الملتزمين منهم، وليس المخالفين.
من يتهرب من الضريبة ولا يدفعها لسنوات طويلة وتترتب عليه غرامات، تكافئه الحكومة كل عام باعلان مشهور لوزارة المالية يقضي باعفاء المتخلفين من الغرامات المستحقة عليهم مقابل قيامهم بمعالجة المستحقات الضريبية عليهم، رغم أن قيمة تلك الغرامات تتجاوز ال 200 مليون دينار هي حق للخزينة.
إذا هذا ما يجري: السياسة الاقتصادية الحكومية تقول أنها تكافئ المكلف غير الملتزم.
واذا تنامى عجز الموازنة نتيجة السياسات الاقتصادية غير الرشيدة التي اتبعتها الحكومة يكون الحل السريع برفع اسعار المحروقات وزيادة الضرائب والجمارك وليس بمراجعة وتقييم تلك السياسات والاجراءات ومن ثم تقويمها.
واذا عانت الجامعات من ارتفاع في العجز نتيجة تخلف معظم الجهات المبتعثة عن سداد التزاماتها المالية يكون الحل ليس بالضغط على تلك الجهات للوفاء بالتزاماتها، انما برفع اسعار التعليم – اي باللجوء الى المواطن الملتزم.
النماذج كثيرة منها أيضا الاعتداء على الكهرباء والسرقات التي تبلغ قيمتها 300 مليون دينار، فبدلا من ان تلجأ الحكومة الى معالجة هذه الافة والحد منها ومعاقبة المعتدين، تلجأ الى حل آخر اكثر سهولة واقل كلفة وهو رفع اسعار الكهرباء، والامر مشابه في ملف المياه.
مجددا، تسعى السياسة الاقتصادية جاهدة الى معاقبة الملتزمين، ومكافاة المتخلفين.
في المقابل تنظر الحكومة بتعاملها مع الشركات التي يمتلك الضمان فيها اسهم فتجده يخالف منطق الجباية المباشرة الذي تتبعها وتضغط باتجاه الاعتداء المباشر على اموال الضمان، فعندما يعتصم العاملون في بعض الشركات الكبرى للمطالبة بامتيازات اضافية، او عندما تلجأ ادارة الشركات الى خطط اعادة الهيكلة ومكافاة المنتجين ومعاقبة المتخلفين، تجد الضغط الحكومي على ادارة الشركات وممثلي الضمان فيها لتنفيذ طلبات المحتجين ودفع كافة الامور المالية بحجة المحافظة على الاستقرار بغض النظر عن مستقبل تلك الشركة .
ما يحدث في المشهد العام بالنسبة لادارة الملف الاقتصادي للدولة وسبل المعالجات التي تتخذها الحكومات يؤشر على شيء واحد هو: لا يوجد لدينا عقل اقتصادي يفكر بمصلحة الدولة على المدي البعيد، وان التفكير كله محصور في تلبية رواتب اخر الشهر لا غير .
[email protected]
[email protected]

