احتفالية مؤنس في ذكرى رحيله: إلى متى نؤجل قراءته؟
“رفاق” متقاعدون، وآخرون ماضون إلى تقاعدهم الوشيك، حضروا إلى احتفالية مؤنس الرزاز، أمس، بمناسبة مرور إثني عشر عاماً على رحيله، وشغروا مقاعدهم مجاملين رفيقهم وابن رفيقهم وجافلين من كل كلمة قد تذكرهم بمأساتهما التي كانوا شهوداً صامتين عليهما.
واتسعت المكتبة الوطنية، كذلك، لمحبّين لا يريدون لراحلهم أن يغادر أسطورته، وربما اندس بين الحاضرين قلة لا يدعون “رفقة” أو صداقة “حميمة”، ويودون قراءة مؤنس برؤية نقدية تعيده حياً، وليس مجرد رقم بين الأموات.
تأخر إنطلاق الاحتفالية ثلث ساعة لا تبدو مديدة، إذا ما دقق الحاضر بكلمة وزير الثقافة لانا مامكغ – راعية الحفل- الذي ذكّرها أحد المشاركين بإلغائها مشروع التفرغ الإبداعي، وكان بإمكان القائمين عليه إصدار كِتاب “الاعترافات الجوانية” لمؤنس غير المنشور حتى اليوم.
وأصر أغلب المشاركون على ذكْر أدعية مأثورة وعبارات يُغيّب المديح فيها صاحب “اعترافات كاتم الصوت”، ويحيل الاثنتي عشرة سنة التي تفصلنا عن رحيله إلى قرون وربما أكثر.
اكتفت الوزيرة ومنظمو الحفل بالإشادة بمناقب الفقيد، والافتخار بمنجزهم المتمثل بإصدار ملف “استثنائي” يستذكر الرزاز وتوزيعه بعد انتهاء الحفل، إضافة إلى بيْع مجلد يحتوي مجموعات قصصية له، وتضم “مد اللسان الصغير في مواجهة العالم الكبير”، و”البحر من ورائكم”، و”فاصلة في آخر السطر” بسعر رمزي بالتعاون مع رابطة الكتّاب الأردنيين، و”الأعمال الكاملة” التي أصدرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
د. عمر الرزاز، شقيق الأديب الراحل، أعاد لـ”المؤبّنين” صوت مؤنس واعترافاته في تسجيل صوتي (مركّب على صور نادرة له) تم عرضه، ويقدم مقتطفات من سلسلة حوارات إذاعية أجرتها معه هيام حموي لإذاعة الشرق قبل انتهاء الألفية الثانية.
الحوارات التي يُظهر التسجيل أنها أجريت خلال أربع سنوات (95- 1999) توثق وجهة نظر مؤنس بالنهضة العربية في مرحلتيها: بدايات القرن الفائت ومنتصفه، وكيف آلت إلى هزيمة سياسية وإخفاق مبين، على خلاف حضور ثقافي رمزي للعرب، ولم تغب السخرية عن وصفه حلمه – مذ كان طفلاً- بهزيمة الرأسمالية أمام الاشتراكية، لتنتهي الألفية بانهيار حلمه ليس على يد أعدائه فقط، إنما نتيجة أخطاء “الرفاق” في مختلف خنادق العالم ونياتهم الطيبة.
“النيّات الطيبة” لم تفارق –أيضاً- المجتمعين حول مؤنس في ذكراه الثانية عشرة، إذ يتفرقون كل عام ناسين ومتناسين صاحب “أحياء في البحر الميت”، ليفطنوا إليه في 8 شباط من كل عامٍ، فيسارعون إلى استذكار جلساتهم ومعايشاتهم معه، التي يأملون فرضها مقرراً دراسياً يحتشد بشهاداتهم التي قد تتغير في نسختها هذا العام عن أعوام سابقة، فيروي أحدهم أن مؤنس آمن بأنه الروائي الأردني الأخير، فيما كان الصديق نفسه قد روى الرواية ذاتها في احتفالية سالفة يعدد مؤنس خلالها ورثته من الروائيين الأردنيين.
بعيداً عن عشيرة الرفاق والأصدقاء والمثقفين، جاءت شهادة منيف مؤنس منيف الرزاز مختلفة – قرأها عمر الرزاز- وتشي بين سطورها بمشاعر عفوية لا تدعي معرفة أو علاقة “خاصة” بين الوالد والابن، إنما تبيّن نظرة استرجاعية لشاب يحاول أن يستعيد طفولته.
مضى الحفل إلى ختامه، ويحسب للمنظمين محاولتهم هذه المرة تقديم اجتهاد مختلف يفي الراحل حقه، حيث استعرض المشاركون في الحفل عدداً من ذكرياتهم مع فقيدهم، أو قرؤوا في رسائل متبادلة معه، أو قراءات في تجربة منيف أو شخصيته، لكن الواقع الثقافي الراكد أفضى إلى نهاياته المعهودة، فلم يشذ المشاركين عن القاعدة في خروجهم، وفضّلت كل “شلّة” البقاء لوحدها وتبادل التعليقات والنميمة عن الشلة الأخرى.






