صحيفة الكترونية اردنية شاملة

دراسة: ‘داعش’ تزيد من تعقيد أزمة الأنبار

0

“على الرغم من أنّ رئيس الوزراء تمكّن بالتعاون مع بعض حلفائه في محافظة الأنبار من إخلاء ساحات الاعتصام، فإنّ الأزمة لا تبدو أنها في طريقها إلى الحلّ، بل إلى مزيد من التعقيد”.

بهذه الكلمات ختم تقدير موقف “حسابات أطراف الأزمة في اعتصامات الأنبار” الصادر عن المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات الذي يترأسه المفكر العربي عزمي بشارة.

واندلعت الأزمة في محافظة الأنبار غربي العراق مواجهات عنيفة بين قوات الجيش والأجهزة الأمنية من جهة، ومسلحين من أبناء عشائر المحافظة من جهة أخرى؛ وذلك إثر قيام قوات الأمن العراقية بفضّاعتصام مدينة الرمادي بعد أن اعتقلت أحد أبرز قياديي الاحتجاجات وهو النائب في البرلمان العراقي أحمد العلواني، ما فتح الباب أمام مواجهات لاحت من خلالها نذر صراع طائفي واسع النطاق.

يرى تقدير المركز ان دخول “داعش”في الأزمة، وفي المدن تحديدًا، سيشكِّل مبررًا لحلفاء المالكي وفي مقدمتهم الحزب الإسلامي والصحوات السابقة لطلب النجدة من الحكومة، ما سينقل الأزمة من استقطابها الثنائي الراهن (أهالي الأنبار مقابل حكومة المالكي) إلى أزمة متعددة الأبعاد أطرافها: المالكي وحلفاؤه المحليون، وداعش، والمنتفضون، وعموم أهالي الأنبار الذين يتخوفون من انتقال القتال إلى داخل المدن. إنّ عودة المالكي عن قراره سحب الجيش، وإعادة زجه من جديد داخل المدن.

وحث التقدير أهالي الأنبار إخراج داعش من معادلة الصراع، وقطع الطريق على قيام المالكي باستغلال هذا الموضوع وترجمته إلى أصوات انتخابية داخليًا وإلى مزيدٍ من الدعم خارجيًا باعتباره يحارب الإرهاب.

ورهن التقرير نجاح انتفاضة الأنبار بتحقيق بإعادتها إلى مسارها الحقيقي المتمثل في مطالب المنتفضين المحقة في مواجهة عسف الحكومة وسياساتها الطائفية. وقال: بهذه السياسة فقط يمكن الحصول على تأييد ليس المحافظات المتعاطفة سلفًا فحسب، بل عموم المحافظات العراقية على اختلاف انتماءاتها المذهبية والعرقية.

وأوصى بألا ينسى المنتفضون أنّ اللغة الطائفية والتقسيم المذهبي السياسي القائم اليوم في العراق هو نتيجة لسياسات الاحتلال، وأنه من الضرورة تجاوز هذه المصطلحات والعودة لإدراك أنّ شيعة العراق هم عرب وعراقيون، وأنه لا يجوز السماحبدفعهم نحو إيران، مشيرا الى حاجة العراقيين في مسعاهم هذا إلى مساهمة عربية تمد خطوط التواصل معسنة العراق وشيعته على حدٍ سواء.

خلفيات الأزمة المتجددة

واستعرض تقدير الموقف خلفيات الازمة المتجددة والتي تتمثل بتفاقم الموقف في محافظة الأنبار المنتفضة منذ نحو عام مع خمسة محافظات عراقية أخرى (ديالى وصلاح الدين والموصل، وقطاع واسع من كركوك، فضلًا عن العاصمة بغداد)للمطالبة بحقوقٍ سياسيةٍ وخدميةٍ ومعيشيةٍ.

ويأتي في مقدمة مطالب المنتفضين وفق ما جاء بتقدير الموقف وقف التمييز الطائفي الذي تتعرّض له المكونات السنية العراقية وإلغاء ما يعرف بالمادة “أربعة إرهاب” في القانون العراقي، التي يطلق عليها المحتجون تهكمًا اسم “أربعة سنّة”؛ للتعبير عن الشعور السائد بأنها تستهدف العرب السنة. كما يطالب المحتجون بإلغاء قانون المساءلة والعدالة الذي حلّ محلّ قانون اجتثاث البعث.

ورغم أنّ مطالب المنتفضين كانت تشمل ما يعانيه العراقيون من التهميش والفساد المالي والإداري وغياب الخدمات، فإنّ – كما يؤكد التقدير – الحكومة أصرّت على أنها مطالب ذات أهداف طائفية (سنية) من أجل تحييد المكوّن الثاني من مكوّنات عرب العراق وهو المكوّن الشيعي، وذلك بتغذية مخاوفه وتهويلها من خلال الإيحاءبعودة “الهيمنة السنية” على الدولة التي يسعى لها حزب البعث وتنظيم القاعدة (على الرغم من التناقض والتنافر بينهما).

وقال: تمكنت الحكومة نتيجة هذا الخطاب – مستفيدة من ممارسات القاعدة وتفجيراتها – من تعميق الهوة بين سنة العراق وشيعته.

ويشير الى عدم تناغم محافظات الجنوب ذات الأغلبية الشيعية مع المطالب الوطنية المشروعة للمحافظات الست المنتفضة ؛ إذ تتخذ معظم تعليقات الشباب و”تغريداتهم” من المكوّنين على وسائل الاتصال الاجتماعي طابعًا طائفيًا على الرغم من وحدة الهموم.

الأبعاد الإستراتيجية للأزمة

ويرد التقدير الأحداث الأخيرة في الأنبار في سياق بعودة مقدماتها إلى بداية الثورة السوريّة، عندما أخذت السلطة الحاكمة في بغداد تتحسّب من تداعيات هذه الثورة على الوضع العراقي الداخلي؛ فأضفت عليها تفسيرًا طائفيًا كإجراء احترازي، وتوقعت أن تمتد تداعياتها إلى محافظات العراق الغربية الثلاث المجاورة لسورية، وهي الأنبار، ونينوى (الموصل)، وصلاح الدين، ثم تنتشر منها باتجاه ديالى وكركوك وبغداد وجوارها.

كما توقعت السلطة الحاكمة وأحزابها السياسية – كما يتحدث التقدير – أن تنشأ وحدة “سنية” الطابع بين محافظات العراق الغربية والوسطى وبين الثورة السوريّة. وقد صرّح باقر صولاغ، أحد قياديي التحالف الوطني العراقي (الشيعي)، بأنّ القتال سينتقل إلى أسوار بغداد لو أتيح للثورة السوريّة أن تنتصر.

ولذلك، – يقول التقدير – ثمة تحسّب كبير لاحتمال انتصار الثورة السوريّة، وحذر أكبر من احتمال انتقالها إلى العراق، وما يترتب على ذلك من تداعيات إستراتيجية كبيرة على وضع إيران الإقليمي، وإمكانية انقطاع الرابط الجيوبولتيكي الحيوي الذي يربط “الرأس” الإيراني بامتدادات مصالحه الأمنية وغيرها في سورية ولبنان. وفي هذا الإطار،تشكّل الأنبار الحلقة الأضعف في هذا الرابط الطبيعي الذي أنشأته إيران مستفيدة من ظروف الاحتلال الأميركي، وسيطرة الأحزاب التي تدين لها بالولاء على مقاليد الأمور في العراق، وتجمع بين تحالفها مع إيران والتحالف مع الولايات المتحدة.

لقد كان خط الاتصال البريّ بين العراق وسورية الذي تمر عبره الإمدادات من إيران لنظام بشار الأسد مهددًا من قبل فصائل المعارضة السوريّة بسبب القتال الدائر في مناطق شرق سورية، لكنّ هذا الطريق لم يعد آمنًا مطلقًا منذ اندلاع انتفاضة الأنبار في كانون الأول/ ديسمبر 2012؛ إذ تصدى الثائرون في الأنبار مرات عديدة لأرتال عسكرية كانت تهدف إلى اختراق طريق المرور السريع الدولي متجهة صوب منطقة الحدود مع سورية، لأنّتلك الطريق جرى قطعها قبل وصولها الفلوجة، وكذلك في الرمادي .

الأبعاد الداخلية للأزمة

من حيث الأبعاد الداخلية للازمة فإن التقدير يرى ان رئيس الوزراء نوري المالكي يعاني من تراجع كبير في التأييد الشعبي الذي يحتاج إليه من أجل ضمان فوزه في الدورة الانتخابية القادمة وحصوله على ولاية ثالثة، وقد بدا ذلك التراجع واضحًا في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة أمام منافسيه من الشيعة، وفي مقدمتهم المجلس الإسلامي الأعلى الذي يضمه مع المالكي التحالف الوطني العراقي، الذي يجمع الأحزاب السياسية الشيعية. كما أنّ خروج التيار الصدري عن قواعد اللعبة السياسية الذي مثّلها هذا التحالف، واستقالة بعض الوجوه القيادية في ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه المالكي، فضلًا عن ظهور اعتراضات فيأوساط قريبة من رئيس الوزراء بشأن النفوذ الذي بدأ يتمتع به نجله في إدارة شؤون الدولة؛كل ذلك جعل المالكي يشعر بالتهديد خصوصًا في بغداد التي حاز فيها أعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. لذلك وجد المالكي في تضخيم التهديد الذي تمثله الأنبار في وعي العامة من مناصريه وسيلة جذب لأغلبية الرأي العام الشيعي في العراق الذي أخذ ينفضّ من حوله مع اقتراب انتخابات مصيرية بالنسبة إليه.وهذا ما يجعل غرضًا انتخابيًا يقف وراء التصعيد في الموقف من ساحات الاعتصام في الأنبار.

ويؤكد التقدير ان التشظي في الوضع الداخلي السنّي يشكل عاملًا آخر مهمًا بنى عليه المالكي قراره في اقتحام ساحة اعتصام الرمادي، لأنّ سنوات من سيطرة التشكيلة السياسية الحالية على السلطة أوجدت شركاء للمالكي من العرب السنة. وعلى الرغم من أنّ هؤلاء كانوا يظهرون معارضة أحيانًا تجاه المالكي، فإنهم أعطوه شرعية الحكم وادعاء المشاركة فيه.

ولان ساحات الاعتصام في عموم محافظات العراق ظاهرةً رمزيةً تشير إلى انتفاضة جزء من المجتمع العربي في العراق ضد محاولات تقزيمه وتهميشه وارتهان إرادته؛ وهي السياسة التي دأبت عليها حكومات ما بعد الاحتلال منذ عهد إبراهيم الجعفري وحتى حكومة المالكي الحالية. لذلك فمن هنا يذهب التقدير الى ان عملية فض الاعتصامات تهدف إلى كسر الإرادة المتنامية لسكان هذه المناطق في ممارسة حقهم في المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون بلدهم، ومنع إنتاج قيادة جديدة أقدر في التعبير عن تطلعاتهم، وإحياء دور الوجوه المهادنة من المكون السني أو إعادة إنتاجهاوالتي ارتضت العملية السياسية الحالية في مقابل مكاسب شخصية هزيلة، وهؤلاء هم من دعاهم رئيس الوزراء للتفاوض باعتبارهم”أهل الأنبار الحقيقيين”.

وكالعادة وجد المالكي في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” ظهيرًا كبيرًا في محاولاته تقسيم الصف العشائري في المنطقة؛إذ شكّل دخول التنظيم في الأزمة ومحاولة استغلالها ضربةً كبيرةً للانتفاضة الشعبية في الأنبار، فضلًا عن أنّه يتيح للمالكي اتهام المنتفضين من أبناء المنطقة بالتعاطف مع القاعدة.

ويؤكد التقدير بان داعش مصدر بلبلة وتشويش وإحراج لنخب الانتفاضة وقاعدتها الشعبية على حد سواء؛ فهم يرفضون أن يكونوا في الخندق نفسه مع داعش من جهة، لكنهم – من جهة أخرى – يجدون أنفسهم وكأنهم يقاتلون في صفها بسبب إصرار المالكي على أخذ الامور في اتجاهات قصوى لا تترك مجالًا للتسوية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.