صحيفة الكترونية اردنية شاملة

صفقات الاندماج تلوح في أفق القطاع المصرفي

0

بدأ جان لوران بونافيه، الرئيس التنفيذي لبنك بي إن بي باريبا، يجعل حتى أعتى مصرفيي الصفقات يبدون وكأنهم من أصحاب السوق الهابطة. خلال ثلاثة أسابيع أبرم بونافيه صفقتي استحواذ ويخطط لصفقة ثالثة ــــ اشتملت الأولى على شراء حصة الحكومة البلجيكية، البالغة 25 في المائة، في بنك فورتيس مقابل 3.25 مليار يورو. والثانية هي عملية الشراء التي تمت في الأسبوع الماضي للاستحواذ على بنك BGZ البولندي من مجموعة رابوبانك الهولندية مقابل مليار يورو. والآن يُجري البنك الفرنسي محادثات للاستحواذ على قسم المشتقات في رويال بانك أوف اسكتلاند.
ومن الممكن أن تكون هناك صفقات أخرى أكبر في الطريق، إذا استطاع بونافيه إقناع من حوله بأفكاره. ومن شأن هذا أن يؤثر عفي الفكرة السائدة التي تقول إن الصفقات الكبيرة من البنوك أصبحت من المحرمات وسط مخاوف عصر ما بعد الأزمة، بخصوص المؤسسات التي هي “أكبر من أن تفشل”.
هناك سبب رئيس واحد لهذا التركيز الجديد على عمليات الاستحواذ في سوق البنوك الأوروبية المشهورة بأنها منقسمة. وأخيراً أخذ بونافيه يرى محفزاً للتغير ــــ وهو قدوم صلاحيات البنك المركزي الأوروبي ليصبح الجهاز التنظيمي الوحيد المختص بالقطاع المصرفي، التي ستسبقها خلال الأشهر العشرة المقبلة عملية تنظيف (في البداية ستجري عملية تعرف باسم مراجعة نوعية الأصول، ثم ستجري اختبارات إجهاد قاسية لقياس التحمُّل لدى البنوك).
ومن المفترض أن يعمل التحول على خلق محور من جبهتين نحو الصفقات العابرة للحدود، كما يرى أصحاب السوق الصاعدة. وإنشاء ما يسمى الاتحاد المصرفي، المدعوم من المركزي الأوروبي، سيعطي المستثمرين الثقة بأن المنطقة عبارة عن سوق موحدة يمكن أن تزدهر فيها البنوك العابرة للحدود دون أن تشعر بالقلق حول مظاهر الضعف لدى بعض الحكومات السيادية. وعلى الجانب العملي، يفترض أن تعطي اختبارات الإجهاد المشترين المحتملين الثقة بالبنوك التي يمكن أن يستحوذوا عليها.
لكن هناك صعوبات غير متوقعة. أولاً، يظل المشترون في حالة ضعف على الأرض. فمعظم البنوك ما زالت تطبب جراحها التي لحقت بها أثناء الأزمة المالية. وهناك عدد قليل للغاية من البنوك المستقرة على نحو يكفي للتفكير في صفقات كبيرة.
لكن باريبا حالة نادرة من حيث أنه أنشأ أصلاً مستوى من رأس المال الذي تريد الأجهزة التنظيمية أن تراه بموجب معايير “بازل 3” التي سيجري تطبيقها قريباً. وحتى لو طُبِّقت المعايير المتشددة لعام 2019 منذ الآن، فستكون نسبة رأس المال إلى الأصول (بحسب الوزن النسبي للمخاطر) في البنك أكثر من 10 في المائة، أي فوق النسبة المطلوبة بموجب بازل 3، وهي 9 في المائة.
وكانت البنوك قد أمضت السنوات القليلة الماضية وهي تكوم أرباحها المتراكمة داخل احتياطياتها الرأسمالية. وحين تشعر الأجهزة التنظيمية بالرضا من أن أهداف مستويات رأس المال تحققت، سيواجه رؤساء البنوك خياراً استراتيجياً: إما إعادة الأرباح المستقبلية إلى المساهمين عن طريق زيادة الأرباح على الأسهم، وإما إعادة الاستثمار في أعمالها بصورة عضوية، أو البدء بشراء البنوك المنافسة. وبالنسبة إلى باريبا، فهو يرى أن الاستحواذ هو أكثر الطرق جاذبية.
ويتفق المصرفيون على أن من المرجح أن يكون بنك سانتاندار هو البنك الأوروبي الكبير الآخر الذي يدخل في عمليات استحواذ، وذلك بفضل تركيبة صنع الصفقات التي يتمتع بها رئيس مجلس الإدارة، إميليو بوتين. وقد توقف أكبر بنك في إسبانيا لالتقاط الأنفاس خلال السنة الماضية أو نحو ذلك، لكن في أعقاب الأزمة العالمية مباشرة قام بسلسلة من عمليات الاستحواذ، خصوصاً في بولندا وألمانيا.
والحلم هو تشكيل بنك يكون بحق لعموم أوروبا. وبالنسبة إلى باريبا، سيعني هذا تعبئة شبكة تمر في الوقت الحاضر عبر فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، والآن بولندا ــــ مع وجود فجوات واضحة في ألمانيا وإسبانيا. وبالنسبة إلى سانتاندار، ربما تكون هناك فرص في فرنسا وإيطاليا.
ومن بعض الجوانب سيشكل باريبا وسانتاندار شريكين جيدين، بحد ذاتهما، في عمليات الاندماج. لكن على ما يرى المصرفيون، الأرجح هو أن القوي سيهمن على الضعيف، بحيث يشتري البنوك المنافسة التي معروف عنها منذ الآن أنها تفتقر إلى رأس المال الكافي، أو التي ستنكشف وتظهر مواطن ضعفها عند إجراء مراجعة نوعية الأصول واختبارات الإجهاد. ومن الأهداف المحتملة هناك بنك مونته دي باسكي الإيطالي، وبانكيا الإسباني، وكوميرتز بانك الألماني، إلى جانب مجموعة من البنوك الصغيرة عبر المنطقة. ومن الممكن بطبيعة الحال أن يكون هناك مشترون آخرون، إما على شكل بنوك أمريكية أو آسيوية، أو من مجتمع شركات الأسهم الخاصة.
لكن أي مشتر طامح للاستحواذ على البنوك سيواجه تحديات تنظيمية قاسية وسط مخاوف حول المؤسسات التي هي أكبر من أن تفشل. ولدى باريبا ميزانية عمومية قريبة من تريليوني يورو، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا. ويأمل المصرفيون أن يتم الحكم على بنوك منطقة اليورو في المستقبل قياسا إلى الاقتصاد في كامل المنطقة. وبهذا المقياس سيكون باريبا أقل من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي “الوطني”.
لكن هذا يترك خطر المطالب الرأسمالية الأعلى. ويطبق مجلس الاستقرار المالي العالمي ما يعرف باسم ضريبة سيفي Sifi الإضافية على البنوك المهمة للنظام بكامله على خمس مراحل تراوح بين 1 و3.5 في المائة، ويتوقف ذلك على الحجم والتعقيد. والبنوك التي مثل دويتشه بانك، وسيتي جروب، وبانك نيويورك ميلون استطاعت تأمين ضرائب إضافية أقل بعد تقليصها للمخاطر. ويظل سانتاندار هو الأدنى، عند نسبة 1 في المائة. لكن باريبا يدفع منذ الآن ضريبة نسبتها 2 في المائة، ولا يتفوق عليه في ذلك إلا جيه بي مورجان وإتش إس بي سي HSBC بنسبة تبلغ 2.5 في المائة لكل منهما. والشريحة الخالية الآن ونسبتها 3.5 في المائة، تلوح في الأفق بالنسبة لأي بنك يزداد حجمه على نحو يفوق الحد من منظور الأجهزة التنظيمية. وهذا، بصرف النظر عما يراه المصرفيون المتعطشون للصفقات، ربما يكون إلى حد كبير قد عمل على تهدئة صفقات الاندماج بين البنوك إلى الأبد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.