صعوبة قراءة البيئة الدولية
البيئة الدولية المعاصرة أضحت أكثر ضبابية وأكثر تعقيداً وأكثر غموضاً من أي وقت مضى؛ ويكفي الرجوع إلى الكتاب القيم الذي ألفه منظر العلاقات الدولية الفرنسي برتران بادي Bertrand Badie لتمثل ذلك؛ إذ طور نظرية اختزلها في كلمتين «وهن القوة» l’impuissance de la puissance واعتماداً على نظريات لإيميل دوركايم وهيغو كروتيوس أكد أن القوة بمفهومها التقليدي الكلاسيكي فقدت أكثر من معنى مع ازدياد الفاعلين في البيئة الدولية المعقدة فلم تعد بعض الدول القوية كالولايات المتحدة الأميركية تتوفر على نفس الردع الاقتصادي والعسكري والحمائي بل وحتى الثقافي كما كان عندها في السابق، ولم يعد للثنائية القطبية أو الأحادية القطبية نفس المدلول مع صعود اقتصادات الدول الآسيوية واتساع رقعة الأزمة المالية العالمية والتنافس التجاري العالمي، وتنامى الجريمة العالمية، وعولمة الخدمات، وتنامي دور الأفراد في العلاقات الدولية. فكثيرة هي الأسئلة التي نطرحها معه هنا ومع المنظر الأوروبي الآخر فريدريك شاريون، ويمكن أن نختزلها في سؤالين اثنين: السؤال الأول يرتبط بقدراتنا الخاصة على قراءة العلاقات الدولية التي أصبحت معقدة جداً. والسؤال الثاني يخص التمييز الذي أمسى أكثر فأكثر غموضاً بين ما قد يرتبط بالمجال العقلاني والمجال اللاعقلاني.
أما المسألة الأولى فتحيلنا إلى «روزنو» الذي كان قد حذرنا من مغبة الاضطرابات بدل الاعتماد على هنتنغتون الذي يدعي صياغة العالم في خرائط. فالعالم الحالي ليس أحادي القطبية وليس ثنائي القطبين ولا متعدد الأقطاب وليس عالماً شمولياً بشكل تام ولا مجزأ إلى أبعد حد: إنه عالم غير منظم في شكل حضارات، وتكونه حضارة موحدة.
وإذا كانت الشمولية تتجه إلى تراجع المطالبة بحق الهوية، وإذا كانت التوجهات نحو التجانس تستدعي في المقابل دعوة خصوصية للمعنى الذي يضع القيم في قلب العمل الدولي، فقد أضحى العالم أكثر تعقيداً، كما يتجلى ذلك من خلال دراسة سوسيولوجية الأفراد المواطنين والمستهلكين للقيم والشعارات والذين يفصلون بين مختلف مصادر المعلومات والخطابات المتاحة. ويعرف هذا الإنتاج أزمة رباعية تعني «الفرد المقتدر» في المقام الأول. فهي أزمة المعاصرة في البدء: حيث ينظر إلى العالم الجديد في غزة كما في كابول وفي بغداد، وكما في أبيدجان على أن جودة الحياة قد تدهورت، وأن الخطابات الماضوية أو التي تحن إلى العصور الذهبية تجد في ذلك ضآلتها. ثم إنها أزمة الاندماج، إذ تنتج الشمولية المهمشين على صعيد قارة بأسرها (القارة الإفريقية) الذين يزيدون من حدة الأزمة سالفة الذكر، وهناك كذلك أزمة الدولة التي فقدت الوسائل التي امتلكتها سابقاً الدولة الراعية والحامية لتلبية متطلبات الضعفاء. وأخيراً هناك أزمة تعميم النموذج الغربي الذي كان يتسم بقيم العقلانية والتقدم والذي نادى بتعميم قيمه وبشر بفوزه جل المنظرين الغربيين بحيث يمكن تطبيقه على «دول العالم الثالث» التي عانت من مبدأ «الدول المستوردة» وأضحى اليوم موضع انتقاد.
ومن هنا يطرح السؤال الثاني، هل وحدها عقلانية العلاقات الدولية هي نفسها عقلانية الغرب؟ وهل يتعين علينا اعتبار أن الغرب يجسد الحكامة الجيدة وروح المنطق والفعالية؟ وهل نخال أن ما يخرج عن الدروب التي هزمها الغرب ينتمي بالضرورة إلى مجالات الوجدان والظلامية وعدم الكفاءة؟ وأن إنزال التصرفات الدولية التي لا تنتمي إلى النموذج الغربي بهذه الفئات التحقيرية، يثير أنواع الغيظ والإهانات؟ وهذا ما يحصل في الدول الغربية عندما تعاقب دولة لا تعمل بتوصيات البنك الدولي مثلاً. وهكذا تفرز الدول الغربية قواعد جديدة للاحتجاج، وتشجع كذلك بطريقة غير مباشرة ضروب التضامن بين هؤلاء الفاعلين. ففي كراكاس ودمشق وبلغراد وفي جهات أخرى تتكون جبهات. كما يحدث الشيء عينه في موسكو أو في بكين. ولعل الإفراط في تماهي المنطق غير الغربي بالمنطق المارق أو بالأحرى بالمنطق المجنون ينتج ثقافة دولية مضادة. ولا يتعلق الأمر هنا بالحتمية الثقافية المتصلبة لهنتينغتون، بل يتعلق بثقافة الاحتجاج المتغيرة والمتطورة التي اتبعها فاعلون كثر.
وأصحاب القرار والخبراء والاستراتيجيون عليهم قراءة البيئة الدولية قراءة صحيحة لفهم الأدوات قبل أخذ القرارات، وضمن مفاتيح الفهم أمور صعبة إذا سبرها الاستراتيجيُّ بعقل وحكمة ودراية امتلك الحلول الآنية والمستقبلية وسهّل عمل المخطط وأجهزة الدولة داخلياً وخارجياً؛ وإذا تعثر فهمه أو خانته تحاليله ضاعت مصالح البلاد المستقبلية… ولا أخال أحداً من المتخصصين في نظريات العلاقات الدولية يخالفني الرأي إذا قلت منذ الوهلة الأولى إن مفاتيح الفهم للبيئة الدولية المعقدة هي هنا سوسيولوجية، وهي الفكرة الرئيسية التي يتمحور عليها الكتاب الذي أصدره لنا مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عن البيئة الدولية وصياغة الاستراتيجية في إطار سلسلة المحاضرات، ومن الحكمة بالنسبة لكثيرين تعبئة منظّرين مثل «تيدجور» أو «جورج سميل» بدلًا من «كلاوزفيتز». فالإرهاب العابر للقارات لا يمكن حله فقط بنظريات «كلاوزفيتز» وإنما بإعمال النظريات السوسيولوجية الحكيمة كما هي مثلًا عند «تيدجور» أو «سميل».
الاتحاد

