حكوماتنا لا تسقط بالتقصير ولا تبقى لنجاحها
في بلدنا، دائماً وعند حدوث تقصير او عاصفه في وجه الحكومة القائمة ( وهو ينطبق على كل الحكومات السابقة ) يردد الأردنيون السؤال التالي : هل قرب موعد رحيل الحكومة ؟ واسباب تداول هذا السؤال فسره البعض بانه للتعلل بالحديث مع الآخرين ، مثل ان يبدأ المرء حديثه مع الاخر عن الطقس (الدنيا شوب ..الدنيا برد )،اي انه سؤال فائض عن الحاجة وغير جدي ومجرد فاتحه للحديث بين اثنين عندما تغيب المواضيع الجدية عنهما .
الأردنيون يعرفون في قرارة انفسهم ان تشكيل الحكومة و رحيلها لا يخضع للحسابات التي تتبع في الدول الديموقراطية ، وهذا يفسر ضيق صدرهم بأي حكومة بغض النظر عن شخصية رئيسها ومنذ اليوم الأول من تشكيلها ، لأنهم لم يختاروها عبر القانون الانتخابي الذي يطالب به أغلبيتهم ( واقصد بالأغلبية ، الأحزاب والنخب السياسية والاجتماعية ولجنة الحوار الوطني ومن قبلها لجنة الأجندة الوطنية ) انها ليست حكومة اغلبية ولا حكومة اقلية بل ولدت بعد انتخابات نيابية قامت على قانون الصوت الواحد الذي اجمعت القوى الشعبية المذكورة على رفضه .
احد السياسيين المعروف بدهائه أجاب ضاحكاًعلى من سأله عن السبب برحيل حكومته : الحكومات لا ترحل بسبب فشل ولا تبقى بسبب نجاحها (انما لما بدهم إياك بتيجي ولما ما بدهم إياك بتروح ). غير ان مثل هذا الجواب كان مستساغا قبل الربيع العربي وقبل الحديث الذي لم ينقطع عن الإصلاحات السياسية والدستورية وقبل الاوراق النقاشية الملكية التي أظهرت إرادة ووعي عند الملك بأهمية الديموقراطية الدستورية الحقيقية للأردن ، كدولة ونظام وشعب ، وسط محيط يحترق في صراعات حول من يحكم وكيف ولماذا ؟ .
وضع الدولة والحكومات في بلدنا أشبه بالوضع خلال الثلجة وبعدها وملخصه : ان الملك يتقدم الى الواجهة للتغطية على نقص وتقصير الحكومة ، بالتواصل عن قرب مع احتياجات الاردنيين وتخفيف غضبهم وسخطهم على أداء الإدارة ، وحتى الآليات التي جاءت هدية من الإمارات خرج الملك لاستقبالها بدل ما يخرج وزير الأشغال او أمين عمان . وفي المسرح السياسي الاصلاحي قام الملك منذ مجئ مجلس النواب الحالي بنفس العمل ، اي التقدم للواجهة والقيام بالمبادرات التي تحمل الدعوة للجميع بالقيام بخطوات حقيقية نحو الديموقراطية ، نشر أوراقه النقاشية وكلف بإجراء مشاورات مع المجلس النيابي لاختيار رئيس الوزراء واعلن ان المجلس هو من يمنح الثقة و يسحبها . مع ذلك لم تتقدم الحكومة ولا مجلس النواب بخطوة واحدة الى الامام على طريق الإصلاح ، او قل على طريق التمكين الديموقراطي ، والتطبيع مع العادات والأعراف والمبادئ الديموقراطية .
قبل ديموقراطيتنا الراهنة بحوالي ٢٠ سنه قام طاهر المصري بتقديم استقالة حكومته بعد ان قام أكثر من نصف مجلس النواب آنذاك بتوقيع عريضه نيابية لسحب الثقة من حكومته ( مع ان المجلس كان في إجازة ) . خطوة المصري جلبت له الاحترام على المستوى الفئوي والشعبي حتى اليوم ، لانه احترم إرادة النواب حتى قبل التصويت ، لم يلجأ لهذه الجهة او تلك للضغط على النواب لسحب تواقيعهم لو فعل لبقيت حكومته كما جرت العادة ، لكنه بقراره شكل سابقة تشجع على الديموقراطية واحترام مبدأ المسآلة .
اليوم توقع عرائض تحمل أسماء اغلبية النواب تطالب برحيل الحكومة لكنها لا ترحل ولا تبادر بالاستقالة حتى عندما وقع عليها أكثر من ٩٠ نائباً ، حتى ان العرائض أصبحت تستحق وصف (سراب صيف) . لهذا وقبل ان نطالب الشباب بالتمكين الديموقراطي لماذا لا يبدأ هذا التمكين في العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب . ومن التمكين ان يبادر رئيس الحكومة بالرحيل بمجرد توقيع النواب على عريضة اغلبية كما فعل المصري ، لان العرائض هي المقياس الحقيقي لثقة النواب بالحكومة وليس بانتظار التصويت الذي تتداخل فيه كالعادة ، الضغوط والوساطات لإبقاء الحكومة فوق رأس العباد وعلى صدورهم .

