ارتفاع مستوى المدخرات بُشرى سارة للأسهم في 2014
لاينوس، أفضل صديق لشارلي براون في فيلم الكرتون “الفستق”، كانت لديه بطانية. وفي عالم مالي يحوطه اللبس، حتى المستثمرين الأغنياء يقتنون “بطانية” المال النقدي. فعلى الرغم من مرور سنة اتسمت بارتفاع قوي في أسعار الأسهم العالمية، لاحظت شركات إدارة الثروات نمطاً لافتاً للنظر بصورة قوية، يتمثل في الاحتفاظ بوسائد وقاية نقدية، أو حتى يجري توسيعها.
ويتوقع نحو 32 في المائة من المستثمرين الأغنياء على مستوى العالم زيادة الأموال النقدية في ودائعهم خلال الشهور الـ 12 المقبلة، بينما يتوقع 17 في المائة فقط تقليصها، وفقاً لاستبيان أجرته بلاك روك. وبحسب أليكس هوكتور دنكان، رئيس قسم التجزئة الأوروبية في بلاك روك، النقد هو “الغطاء المريح الذي يرتاح له كثير من المستثمرين”.
وكون الأموال النقدية لا تزال هي الأساس تعد حقيقة مهمة لأسواق الأسهم، والحذر الواضح لدى مستثمري التجزئة يبعث على الاطمئنان بأن صعود الأسهم هذا العام لم يكن مدفوعاً بنشوة غير عقلانية من جانبهم – على اعتبار أنه يستطيع كذلك أن يغذي التفاؤل بتدفقات مهمة إلى الأسهم والأسواق الأخرى في 2014.
وحتى كبار الأغنياء لديهم سمات شبيهة بلاينوس. يقول مارك هايفيله، الرئيس العالمي للاستثمار في يو بي إس لإدارة الثروات: “الدليل المتوافر من الحكايات المتفرقة والمحادثات مع عملائنا يشير إلى أن أصحاب المليارات لديهم شهية أدنى للمخاطر مما كان لديهم قبل الأزمة. كذلك هم يقولون لنا إنهم سيحتفظون بأرصدة نقدية أعلى في المستقبل. لكن علم المال السلوكي يقول لك إن هذا لن يحدث – حين يصبح الناس أكثر ثقة، يغلب عليهم أن يقلصوا من مستويات النقد لديهم”.
ونحو 28 في المائة من العملاء الذين يتلقون النصح والمشورة من يو بي إس ظلوا محتفظين بأموال نقدية في الربع الثالث من العام الحالي، وفقاً للبنك السويسري. وهذا بالكاد أقل من 31 في المائة من العملاء الذين قالوا ذلك في نهاية 2011، حين كانت أزمة منطقة اليورو قريبة من أشد مستوياتها. وبالمثل، أظهر الاستبيان أن 35 في المائة من أصول المستثمرين الأثرياء كانت في حسابات ادخار نقدية؛ وبالنسبة لجميع المستثمرين كانت النسبة 56 في المائة.
وأحد الأسباب الرئيسية أن مستثمري التجزئة خسروا أموالا أثناء أسوأ سنوات الأزمة الاقتصادية وهم الآن أكثر حذراً وتوجساً بخصوص المنتجات الخطرة والمنتجات التي لا يفهمونها تماماً. كذلك هم غير واثقين بخصوص الآثار طويلة الأمد لمشتريات الأصول الضخمة التي تقوم بها البنوك المركزية الكبيرة ـ التسهيل الكمي ـ كما تقول شركات إدارة الثروات.
ويقول جريج ديفيز، رئيس التمويل السلوكي في قسم إدارة الثروات والاستثمار في باركليز: “غالبية العملاء الذين لديهم رٍأسمال متوافر لا يحتاجونه على الأمد المتوسط إلى الطويل، هم بصورة ساحقة يجلسون عليه ولا يفعلون به شيئاً. القلق كلمة نستخدمها كثيراً”.
وأظهر استبيان بلاك روك أن 49 في المائة من المستثمرين الأغنياء على مستوى العام لا يريدون الدخول في أية مخاطر بأموالهم. ومن بين البلدان التي شملها الاستبيان، كان العزوف عن المخاطر هو الأدنى بين المستثمرين الأمريكيين، بنسبة 34 في المائة، وكان الأعلى بين الفرنسيين والإيطاليين، بنسبة 64 و59 في المائة على التوالي.
ويقول هوكتور دنكان: “كان يتعين على كل شخص أن يتعامل مع قدر كبير من التغيرات لم يسبق لها مثيل، وفي بعض الحالات أن يتعامل مع خيبة الأمل على مدى السنوات الخمس الماضية، وبالتالي أصبحنا جميعاً نميل بصورة كبيرة فوق الحد إلى الأجل القصير للغاية”.
والعزوف – حتى الآن – من جانب المستثمرين عن تقليص مقتنياتهم النقدية يمكن أن يثير المتاعب بالنسبة للاقتصاد الواسع، فهو يعني كميات أقل من رأس المال بالنسبة للشركات وأصحاب المشاريع الذين يريدون الدخول في المخاطر. من جانب آخر، يمكن أن يُعتبر ذلك أيضاً عاملا يبعث على الارتياح بالنسبة للذين يشعرون بالقلق حول مخاطر التصحيح في الأسهم، أو في الأسواق الأخرى.
ويقول هانس لورنتزن، محلل الائتمان في سيتي جروب: “إذا استمر مستثمرو التجزئة في اتجاههم المُحافظ، هناك خطر أقل بحدوث انقلاب في الأمور. سأشعر بقلق أكبر حول العكس – أي حين يُشفَط مستثمرو التجزئة في عمليات تخصيص نشطة للأصول”.
ويضيف هايفيله: “نعتبر أن هذا علامة على أننا لسنا في فقاعة في أسواق الأسهم. لا نزال نرى أن من الممكن تحقيق عوائد عالية من خانة واحدة في الأسهم في السنة المقبلة – رغم أنه من الممكن أن يكون هناك بعض التقلب”. والمقتنيات النقدية لدى مستثمري التجزئة ربما تكون قد أخذت في التراجع منذ الآن – بصرف النظر عما يقولون للسائلين في الاستبيانات.
ومنذ النقطة المتدنية في الأزمة الاقتصادية العالمية، رسم المحللون الاستراتيجيون للسوق تقدماً متواصلاً في شهيات المخاطر لدى المستثمرين. ففي البدء جفَّت التدفقات إلى السندات الحكومية مع تراجع أسعار الفائدة إلى مستويات دنيا قياسية. ولوهلة كانت سندات الشركات ذات العوائد العالية تبدو أكثر جاذبية. وشهد هذا العام تدفقات داخلة قوية في صناديق الأسهم على المستوى العالمي ـ رصدت مؤسسة EPFR للبيانات دخول أموال إلى هذه الصناديق بلغت 324.5 مليار دولار.
ومن المنطقي بالنسبة لكبار الأغنياء التراجع قليلاً قبل استخدام مقتنياتهم النقدية. يقول مايكل أوساليفان، كبير الإداريين الاستثماريين لمنطقة بريطانيا وبقية أوروبا في بنك كريدي سويس: “الأفراد من ذوي الثروات العالية للغاية يغلب عليهم الاستثمار أكثر، وفقاً لدورة الأعمال، وليس وفقاً لدورات المخاطر. حتى في أيار (مايو) كان من المشكوك فيه ما إذا كانت منطقة اليورو قد خرجت من أزمتها، أو ما إذا كانت إجراءات التقشف ناجحة في بريطانيا”.
لكنهم خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الماضية أصبحوا، كما قال، أكثر نشاطاً في اتخاذ المخاطر، مضيفا: “كثير منهم لديهم شركات، وعلى مستوى الشركات الانتعاش الاقتصادي بدأت تظهر آثاره”.
مع ذلك، السعادة هي وسادة واقية دافئة، كما يقول لاينوس. واتخاذ الخيارات السليمة على الأمد الطويل غالباً ما يقلق راحة مستثمري التجزئة. ويقول ديفيز، من باركليز، إن تأجيل الإنفاق أو الاحتفاظ بالنقد هو رد فعل طبيعي، لكن يترتب على ذلك القرار ثمن معين مع الزمن بالنسبة للمستثمرين وبالنسبة للاقتصاد الأوسع: “أتطلع إلى يوم أنصح فيه الناس ضد النشوة المفرطة بدلاً من التحفظ المفرط”.

