صحيفة الكترونية اردنية شاملة

باسم يوسف: حين تضيق الصدور!

0

لن يهدأ السجال ولن يختفي الجدل حول المصير الذي آلت إليه تجربة طبيب الأعصاب والنجم «الشعبوي» الساخر الدكتور باسم يوسف، بعد أن قرّرت محطة cbc ذات المُلكية الخاصة وقف برنامجه المعروف باسم «البرنامج» تحت ذرائع ومبررات تبدو غير مقنعة بل متهافتة ومفتعلة على نحو يكاد أصحابها أن يقولوا، لهذا الرجل الذي زاد من شهرة محطتهم (بالإضافة إلى الحلقات الحوارية التي أجرتها المذيعة ذات الصوت والأداء الرديء لميس الحديدي مع الأستاذ محمد حسنين هيكل) «حِلّ عَنّا»..
هكذا… وبجرّة قلم ودونما اعتذار أو محاولة لإبراء الذمّة، قرر أصحاب المال (وما ادراك ما أصحاب راس المال) إطفاء شمعة حاول أحد الموهوبين اشعالها وسط هذا الظلام والخراب العميم الذي يحيط بنا أنظمة مأزومة ومجتمعات مفخخة، فإذا بالصدور تضيق وإذا بالمحاولة تفشل وإذا بالإبداع – نال اعجابك أم أغضبك – يُهزم أمام ذات التحالف الذي ما نزال كشعوب عربية ندفع أكلافه الباهظة واقصد هنا تحالف «الاستبداد ورأس المال»..
لست هنا في معرض الغمز من قناة أحد بل انني أمحض خريطة المستقبل التي أعلنها الفريق أول عبدالفتاح السيسي، إعجابي وتقديري (دع عنك تأييدي الذي لا يحتاجه أصلاً) لكن ليس من مبرر مقنع حتى لو اصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية بياناً قالت فيه بوضوح ان «لا» يد للقوات المسلحة في قرار المنع (أي الإجهاز على برنامج البرنامج)… والمسألة لا تتعلق بوجود يد أم عدم وجودها، بقدر ما له علاقة بإدانة قرار هكذا والتأكيد على أن السلطة الانتقالية الجديدة تقف بحزم ضد كل أنواع القمع وكبت الحريات وتجريم الانتقاد الذي يطال الأداء والموقع ولا يشخصن المسائل أو يُخضِعها للابتزاز أو التشهير..
ولأن برنامج البرنامج لم يكن ابناً شرعياً لثورة 30 حزيران الماضي، بل سبقها بكثير، وكان «صاحبه» قد تألق ونال شهرة تجاوزت المنطقة وعبرت المحيطات (لأسباب ليست كلها بريئة بالطبع) فإن من غير اللائق ابداً ان تتم المقارنة بين عهد مرسي الذي دام عاماً واحداً وبين السلطة الانتقالية الجديدة التي اكملت شهرها الخامس، وبخاصة ان جماعة الاخوان المسلمين ومَنْ لفّ حول خطابها وجدوا في قرار المنع فرصة للشماتة والتشفي وعقد المقارنة بين سعة صدر مرسي ونظامه الاخواني، فيما يضيق صدر اعدائهم (..) وهذه بالطبع مقارنة خاطئة ومغرضة، لان مرسي (لمن لا يتذكّر) كان قد رفع قضايا ذم وتشهير بحق صحفيين كُثر، كان على رأسهم باسم يوسف، ثم ما لبث – وقد هاله وجماعته حجم التنديد الذي لحق بدعواهم الكيدية والتأييد غير المسبوق الذي ناله يوسف من قِبَلِ شخصيات واحزاب وهيئات شعبية ومنظمات مجتمع مدني في الداخل المصري وفي خارجه – أن سحب دعاواه محاولا استثمار ذلك في الترويج لديمقراطية نظامه ودعمه للحريات الصحفية، وهذا افتئات على الحقيقة والواقع.
الاراء والمواقف المتباينة التي تعبر عنها السجالات الدائرة الان في الساحة المصرية حول الاسباب الحقيقية لوقف برنامج باسم يوسف، يجب ان تدفع لجنة «الخمسين» المولجة تعديل الدستور، التوقف كثيراً وطويلاً امام النهاية المؤسفة التي آلت اليه حرية التعبير في الراهن المصري، وكيف امكن لاصحاب الاموال ان يتحكمّوا في «المادة» الاعلامية التي يجب ضخّها للجمهور، هذا الجمهور الذي لا يملك خيارات عديدة، امام القنوات الرسمية المحنّطة والمتكلسة ذات الخطاب الاصفر والمخادع والكاذب وخصوصا الفارغ وتلك الخاصة غير المعنية إلاّ: زيادة عوائد استثمار اصحابها ومنحهم المزيد من البرستيج والمكانة الاجتماعية والحظوة لدى اصحاب القرار، أما جودة «المُنْتَج» والانحياز لمصالح الاغلبية الشعبية أو قول الحقيقة أو إشاعة الحريات فهي اخر همومهم إن لم تكن احد اسباب أرقهم ودفعهم لتصميم برامج لا همّ لها سوى تسميم الذائقة الجماهيرية ودفعها للاستسلام إلى أقدارها، والاعتراف بأن قرارها ليس في يدها وأن عليها اطاعة أولي الأمر وعدم الخروج عليهم لأن في ذلك عداء للدين وخيانة للوطن وغيرها من المصطلحات والهرطقات التي تحفل بها فتاوى أصحاب اللحى الذين يتوفرون على قنوات لا عدّ لها ولا حصر، فيما قنوات «غير» الملتحين، تروّج لكل هابط واستهلاكي وغرائزي وهمجي بهذا القدر أو ذاك..
لا أذكر اسم أحد المسؤولين أو الصحافيين المصريين الذي قال في ما يشبه التمني أو الحلم في أنه «لو كان وزيراً للإعلام لعَرَضَ على باسم يوسف أن «يُقدّم» برنامجه على التلفزيون الرسمي»..
أحسب أنه اقتراح وجيه وأن الأخذ به سيكون اثباتاً مقبولاً بأن لا أحد في السلطة الانتقالية الحالية له يد في قرار المنع، أمّا غير ذلك فإنه يترك مجالاً واسعاً للشكوك والتشكيك والأسئلة الكبيرة حول مصير حرية الإعلام في مصر الجديدة.
استدراك: ثمّة معلومة مؤكدة تقول إنّ «سعر» الثانية الواحدة للإعلان خلال بث برنامج باسم يوسف (البرنامج) تساوي (300) دولار أميركي..
فتخيلوا كيف يمكن لصاحب محطة «خاصة» أن يشطب برنامجاً يشكّل بالنسبة إليه الدجاجة التي تبيض… ذهباً؟.

[email protected]

الرأي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.