صحيفة الكترونية اردنية شاملة

في «الفوضى الخلاقة» مرة أخرى

0

في خضم هذه «الفوضى الخلاقة» التي نعيشها نتذكر كوندوليزا رايس. قبل أحد عشر عاماً وقفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في تل أبيب لتعلن ولادة «الشرق الأوسط الجديد». وباعتبارها امرأة أحست بآلام المخاض. وحددت مكان الولادة في لبنان الذي كانت إسرائيل تهدده، وتستعد لاجتياحه. راهنت واشنطن وتل أبيب وبريطانيا على إطلاق الفوضى والبدء في كسر التحالف السوري- الإيراني، بعد القضاء على «حزب الله»، و «انتخاب» حكومة جديدة معادية لدمشق وطهران. وبدء نشر «الفوضى» في سورية انطلاقاً من بيروت التي ستتحول إلى مركز لإدارة العمليات، بعدما يعود اللبنانيون إلى حروبهم الطائفية. وكانوا مستعدين لذلك في تلك المرحلة.

كان الرهان على أن لا تنطلق «الفوضى» من لبنان وحده لمحاصرة التحالف السوري- الإيراني، فالحرب الأهلية المذهبية كانت في أوجها (عام 2006) في العراق وكانت «المكونات» في بلاد الشام كلها مستعدة لمواجهة بعضها بعضاً، ولكل منها حاضنته المحليّة والإقليميّة والدوليّة. لكن المخطط تعثر بعد غزو إسرائيل لبنان وهزيمتها غير المتوقعة، وغير المرغوبة، فتعثرت «الولادة» وطال انتظارها أكثر من خمس سنوات، ولم تبدأ من لبنان بل من تونس، حين أطل «الربيع العربي» ونشر زهوره في مصر وليبيا، ثم سورية. فتبدلت الرهانات. تحرك الداعون إلى الديموقراطية والمطالبون بالحرية في كل هذه الدول. وأصبحت الحدود اللبنانية، خصوصاً في عكار، محجة لقادة الجيوش الأميركية في الشرق الأوسط، وزارها ايضاً داعية السلام جون ماكين، وهو صاحب خبرة طويلة منذ حرب فيتنام. وتقرر كسر التحالف السوري- الإيراني من حلقته الوسطى مباشرة، أي من دمشق. تغير التكتيك وبقي الهدف واحداً: عدم السماح لإيران بمد نفوذها إلى بلاد الشام والوصول إلى البحر المتوسط.

لكن التنظيمات المسلحة التي راهنت دول على ما تحدثه من فوضى لتغيير أنظمة وتحقيق مصالحها، سرعان ما تحولت إلى الإرهاب، وانقلبت على مشغليها وحلفائها وبدأت تنفيذ مشروعها الخاص: استطاع تنظيم «القاعدة» في العراق، أيام أبو مصعب الزرقاوي وبعده، التحصن في بعض المدن والمحافظات، خصوصاً في الأنبار، وأعلن عداءه للجميع. ثم جاء «داعش» بمشروع «الخلافة» فأسقط الحدود وامتد نفوذه من الموصل إلى حلب وحمص، من دون أن ننسى جبهة «النصرة» وتفرعاتها التي سيطرت على مساحات واسعة، فضلاً عن «الجيوش» التي لا تحصى أسماؤها ولا تعرف انتماءاتها، وتجار الحروب وسماسرة السلاح ومتعهدي تصدير الإرهابيين ورعاتهم. فغابت مطالب الإصلاح والحرية والديموقراطية. وعمّ القتل والتدمير معظم الشرق الأوسط، واهتز الاستقرار في الدول الناجية من «الربيع» على مستوى علاقاتها مع شعوبها وبين بعضها بعضاً. واستعادت لندن وواشنطن وباريس إرثها الإستعماري، وبدأ خبراء الإثنولوجيا رسم خرائط المنطقة: للأكراد دولة، للسنّة دولة، للشيعة دولة، أما الأقليات المسيحية وغيرها فأمامها خياران إما البقاء في كنف (إقرأ جحيم) هذه الدول أو الرحيل.

تغري هذه الخرائط الدول الكبرى. كلها تحاول إعادة تموضعه في الشرق الأوسط، وفي الواقع الجيوستراتيجي الجديد. روسيا تحاول استعادة دورها كقوة عظمى، انطلاقاً من سورية. الصين، كعادتها خلال مرحلة الحرب الباردة، تكتفي بالتحالف مع موسكو حين يناسبها ذلك. العالم المتعدد الأقطاب سيولد في المنطقة. التحالفات الإقليمية تتفكك، بريطانيا قررت الخروج من الإتحاد الأوروبي، اسكتلندا على وشك الانفصال عن المملكة المتحدة. الجامعة العربية في غيبوبة. الاتحاد المغاربي حبر على ورق أصفر.

والطريف أن تأثير «الربيع» لم يبق محصوراً في العالم العربي، بل انتقل إلى عواصم القرار في الغرب. وبدا الزعماء المحاربون والأكثر حماسة لـ «الشرق الأوسط الجديد» يسقطون الواحد تلو الآخر. فرنسوا هولاند كأنه لم يكن. توني بلير ملعون في بلاده وخارجها. جورج بوش الإبن أصبح من الماضي. أوباما وحزبه الديموقراطي يواصلان الصراع ضد ترامب الآتي من خارج «الإستبليشمنت» ويخوض «حرباً» ضد الجميع.

«الفوضى الخلاقة» تنتقل من الشرق الأوسط إلى الغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.