«الأم تريزا» الأميركية
إذا كان موسم السباق الرئاسي قد نال من همتك وتفاؤلك فما عليك إلا أن تقابل «آنيت دوف». إنها بلسم آلامنا وجروحنا، وأفضل ما في القاعدة الشعبية الأميركية. و«دوف» امرأة سوداء تبلغ من العمر 60 عاماً تركت المدرسة العليا حين أصبحت حبلى وعانت من العنصرية والعنف المنزلي. وهي تدير حالياً برنامجاً لرعاية الأطفال المعرضين للوقوع فريسة لمشكلات كثيرة. ومولت «دوف» البرنامج جزئياً من مدخراتها حتى أفلست كي يستمر البرنامج ويغير الحياة، وتعمل دوف كل أيام الأسبوع وتجد صعوبة شديدة كل شهر في تسديد النفقات من التبرعات ومنح الولاية، وحين ينفد المال تتضرع لله بالصلاة.
وتكافح «دوف» الفقر والجهل في «باين بلاف» وهي بلدة فقيرة غالبيتها من السود يسكنها 50 ألف نسمة ومثلها كثير في أنحاء أميركا. وهناك أيضاً كثيرون مثل دوف يكافحون لتحقيق تقدم من خلال الكنائس والمدارس وبرامج الرعاية وجهود الدفاع عن الحقوق. وهؤلاء الأبطال لا يتصدرون عناوين الأخبار ولا يحصلون على جوائز وتنكسر قلوبهم ليصمدوا من جديد ويقدموا المساعدة من جديد. إن دوف وأمثالها يساعدونني في استعادة إيماني بأميركا بعد عام سياسي قاس كالذي عشناه.
ولتأخذوا مثال «جيسي سبنسر» الذي يخبرنا أنه طُرد من منزله في الثالثة عشرة من عمره من صديق والدته. وأصبح سبنسر بلا مأوى وانضم إلى عصابات الشوارع ولم يتعلم القراءة والكتابة. وفي السادسة عشرة من عمره شارك في سرقة امرأة تقوم بتوصيل البيتزا. واعتقل وصدر ضده حكم باعتباره راشداً بالسجن 12 عاماً قضى منها أكثر من تسع سنوات ثم أفرج عنه في أغسطس الماضي. وها هي دوف تساعده في الحصول على عمل وبطاقة هوية. فحتى مجرد هجاء اسمه يمثل مشكلة، فهو يتهجاه بشكل مختلف عن سجلات الشرطة ولأنه اعتقل في السادسة عشرة من عمره فليس لديه بطاقة هوية عادية كراشد. وحصل سبنسر على بعض الدعم من برنامج دوف حين كان صبياً وأخبرني آسفاً أنه لو كان حصل على دعم أكبر لربما تغيرت الأمور، فكيف أنفق دافعو الضرائب أكثر من 200 ألف دولار لسجن سبنسر بينما لا نضخ ما يكفي من المال في برنامج دوف الذي يساعد في كسر دائرة الفقر وإنقاذ الأطفال من الوقوع في الرذائل؟
إن المرء ليدرك في أماكن مثل «باين بلاف» مدى أهمية السياسات الاتحادية والمحلية وعلى مستوى الولاية في تشكيل حياة الناس العاديين. فلا يمكن أن تعوض أكثر أعمال الخير بطولة السياسات الفاشلة، فإننا لن نبني نظاماً للطرق السريعة من خلال الجمعيات الخيرية ولا يمكننا بناء برنامج شامل للأطفال المعرضين للخطر عن طريق أعمال البر، لكن في أوقات الشدة يصمد أشخاص مثل دوف ويمنعون الكارثة. ودوف تساعد هؤلاء الأطفال لأنها كابدت شيئاً من عالمهم. فقد تركت «دوف» الدراسة لكنها صمدت واستكملت تعليمها لتصبح معلمة لذوي الاحتياجات الخاصة، وبعد وفاة زوجها تركت عملها ودشنت برنامج «تقديم الخدمات لأولويات أهالينا». وتطور المشروع ليتضمن برنامجا لما بعد المدرسة، ويطعم أيضاً 600 طفل في الصيف، ويقدم الرعاية والتعليم والمساعدة لإبعاد خطى الأطفال عن السجون والمخدرات ومواصلة التعلم في المدارس. وأصبحت أول دفعة من الأطفال الذين تمتعوا بخدمات البرنامج وعددهم 33 فرداً في الجامعة الآن.
وذكرت «دوف» أن هناك أسراً كثيرة تنتشر فيها المخدرات وتقوم هي والموجهون الآخرون بدور الآباء البدلاء ليعلموا الأطفال كيفية ارتداء الملابس ويحفزونهم على دخول اختبارات القبول بالجامعات وتقديم الطلبات للحصول على المنح، وتعلم الصبيان مهارات يتعلمها أطفال الطبقة الوسطى بشكل اعتيادي مثل عقد رابطة العنق وآداب التعامل مع الآخرين، والبرنامج لا يمحو آثار الحياة المضطربة والأحياء الخطيرة، لكنه يحسن أوضاع هؤلاء الأطفال. وفي الاجتماعات يناقش الموجهون مع الأطفال موضوعات السياسة والجنس والإيدز وكيفية معاملة الفتيات باحترام.
نيكولاس كريستوف
كاتب أميركي فائز بجائزة بوليتزر مرتين.
نيويورك تايمز نيوز سيرفيس

