العالم يقترب من اتفاقية تحكم تجارة القرن الـ 21 عبر الإنترنت
حددت الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية عددا من الأولويات لمؤتمرها الوزاري الحادي عشر، المزمع عقده في بوينس آيريس، الأرجنتين، في كانون الأول (ديسمبر) من العام المقبل، وكان على رأس الأولويات وضع أحكام جديدة تتعلق بتجارة القرن الحادي والعشرين عبر الإنترنت.
وأكد عدد من الدول الأعضاء، خلال وضع الخطوط العامة لأجندة مؤتمر بوينس آيريس، في اجتماع عقد في مقر المنظمة أمس، على ضرورة البناء على النجاحات التي تحققت خلال المؤتمرين الوزاريين الأخيرين (بالي ونيروبي في 2013 و2015 على التوالي)، لتقترح بذلك عدة اتفاقيات مُمكنة أو محتملة تتناول مواضيع، مثل معونات الصيد البحري، ودعم المنتجات الزراعية المشوِّه للتجارة، واكتتاب الأسهم العامة لأغراض الأمن الغذائي، التي تعرف اختصاراً بـ “الأمن الغذائي”، الذي يعد أحد أبرز المواضيع الخلافية بين الدول النامية والصناعية في المباحثات الزراعية.
وكانت المعونات الزراعية، التي تم وصفها بأنها إما أن تؤدي إلى إنجاح أو إفشال مؤتمر عام 2017، هي ثاني أهم الموضوعات المطروحة، بعد التجارة الإلكترونية الذي هيمن على مناقشات إعداد جدول الأعمال المقترح لبوينس آيريس، ولا سيما أن مزيدا من البلدان دعت الدول الصناعية الغنية إلى قطع معوناتها المحلية للزراعة.
وتسعى الدول الأعضاء منذ عام 2001، إلى تحقيق “اقتطاع جوهري” للدعم الحكومي للمنتجات الزراعية بما يتطابق مع أهداف جولة الدوحة، دون جدوى، حيث أصبح واضحاً من خلال المناقشات التي تمت أمس، أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعهما 12 دولة أخرى ستدفع في بوينس آيريس نحو إبرام اتفاقية “تمنع الإعانات الحكومية التي تُسهم في الإفراط في صيد الأسماك، والصيد غير المشروع”.
وأوضحت لـ “الاقتصادية” لويس فاكنر، عضو الوفد التجاري الأوروبي لدى منظمة التجارة، أن الهدف هو كبح الإعانات المؤذية التي تقدمها الحكومات لصيد الأسماك، وتعزيز آلية تقديم التقارير والشفافية المتعلقة بالإعانات الحكومية لصيد الأسماك بما يتوافق مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي دعت الحكومات إلى إزالة معونات الصيد التي تسهم في الصيد المفرط، وغير المشروع، بحدود عام 2020.
غير أن الموضوع الرئيس الذي هيمن على المناقشات هو التجارة الإلكترونية، إذ أبدت عديد من الدول الأعضاء رغبتها في التقدم ببعض أنواع الصفقات التجارية المتعلقة بنموها، وضع إطار قانوني يتعلق بالتجارة الإلكترونية والرقمية.
وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح حتى الآن، أي نوع وأي شكل من الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية سيظهر إلى الوجود، طبقاً لما سمعته “الاقتصادية” من مسؤولين في المنظمة.
ويشير هؤلاء إلى أن أفق ظهور اتفاقية عالمية تحكم التجارة الإلكترونية قد يتضح موعده خلال المؤتمر الوزاري المقبل، وأن إبرام الاتفاقية قد لا يتجاوز نهاية العقد الحالي. ويعتبر المؤتمر الوزاري الذي يعقد كل سنتين حدثا مهما يقود العمل الفعال للنظام التجاري متعدد الأطراف، إذ أنتج في السنوات السابقة صفقات شاملة لتيسير التجارة وكبح معونات الصادرات.
وعلى الرغم من أن النقاشات لا تزال مبكرة، فقد أكد أحد الأعضاء في الجلسة أنهم يأملون في تأسيس نطاق واسع من الأحكام المتعلقة بالتجارة الإلكترونية تعمل على تنمية تدفق مفتوح، وموثوق، ومأمون للتجارة العابرة للحدود عبر الإلكترون، وضمان مبادئ الحياد لشبكة من الأحكام والأنظمة المتعلقة بالتجارة الإلكترونية، وتشجيع معايير الأمن الحاسوبي، وتجنب المتطلبات المحلية الخاصة بكل دولة في التجارة الإلكترونية، وضمان حماية خصوصية المستهلك، ودعم اعتماد الإنترنت من خلال سوق اتصالات سلكية ولاسلكية قادرة على المنافسة، ووضع أحكام لمساعدة الشركات الصغيرة في رفع قدرتها للوصول إلى الإنترنت، ووضع أحكام لتشجيع البلدان على تبسيط وتسريع التخليص الجمركي لشحنات التجارة الإلكترونية مع تبسيط أنظمة الجمارك والضرائب والوصول إلى الأسواق.
وفي الوقت الذي أعربت فيه الدول الصناعية الرئيسة، مثل الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، واليابان، تأييدها القوي للتقدم في وضع أحكام تجارية عالمية تتعلق بالتجارة الإلكترونية، فإن الاقتصادات الناهضة مثل الصين والهند قد أعربت أيضاً عن رغبتها القوية في مناقشة وضع ضوابط للتجارة الإلكترونية على الصعيد متعدد الأطراف.
وعموماً، هناك عبارة شائعة تكاد تكون دائمة تسود أروقة منظمة التجارة العالمية، تقول: متى ما كان هناك موضوع تُبدي فيه بكين، ونيودلهي، وواشنطن، وبروكسل مصلحة مشتركة فيه، فإن الآمال تصبح أكثر مواتية للتوصل إلى اتفاق واسع النطاق.
وعلى الرغم من ذلك، فإن بعض الدول الأعضاء، مثل بوليفيا، وفنزويلا، وكوبا، أبدت مقاومتها لفتح مواضيع جديدة حول التجارة الإلكترونية، حتى يتم إنجاز ما تبقى من قضايا مدرجة على جدول أعمال مفاوضات جولة الدوحة، كما أنه من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت هناك بعض الدول الفقيرة ستدعم تحول منظمة التجارة نحو مواضيع جديدة من دون الانتهاء من معالجة الجوانب التي لم تُحل في جولة الدوحة.
وتعتبر منظمة التجارة فقيرة جداً من ناحية الأنظمة واللوائح التي تُنظِّم التجارة على الإنترنت، ويعود أول نشاط متواضع لها في هذا المجال إلى عام 1998، عندما حثَّ وزراء تجارة الدول الأعضاء في المنظمة المجلس العام على الشروع في وضع برنامج عمل لفحص كل القضايا التجارية الناشئة عن عالم التجارة الإلكترونية، الحديث في وقته، والاتفاق على وضع مذكرة تفاهم مؤقتة حول تصورات نسب الرسوم الجمركية في التجارة الإلكترونية للدول الأعضاء كافة.
وفي ذلك العام أصدرت المنظمة برنامج عمل يهدف إلى دراسة القضايا العالمية للتجارة الإلكترونية، وكررت الدول الأعضاء التزامها في تجنب فرض رسوم تجارية على انتقال السلع عبر الإلكترون. لكن على الرغم من إعداد مذكرة تفاهم بهذا الشأن، إلا أن أي أفق لاتفاق متعدد الأطراف بشأن قواعد التجارة الإلكترونية لم يظهر بعد منذ 18 عاما، على الرغم من الاجتماعات الدورية المنتظمة لأعضاء المنظمة لمناقشة هذا الموضوع منذ ذلك الوقت.
وهناك الآن مجموعة من نحو 30 دولة من الدول الصناعية الغربية تقف بجانبها الصين والهند هي أكثر حماسا للتفاوض على اتفاقية تجارية جديدة للتجارة الرقمية ابتداء من خريف العام الجاري، وتم الاتفاق على أن تقدم هذه الدول مسودة ناضجة لاتفاقية دولية مقترحة حول التجارة الإلكترونية إلى المؤتمر الوزاري المقبل في بوينس آيريس.
ويظهر التصميم على إبرام هذه الاتفاقية، حيث يؤكد أحد الآراء المطروحة أنه إذا ظهرت عقبات، أو أخذ ورد بين الدول الأعضاء خلال المفاوضات تُعيق السعي للوصول إلى “اتفاقية متعددة الأطراف” للتجارة الإلكترونية، فإنه يمكن للدول الصناعية التفاوض على “صفقة جماعية”، ضمن إطار منظمة التجارة ليتم بعد ذلك تطبيق شروطها على الدول الأعضاء كافة وفقا لقاعدة “الدول الأولى بالرعاية”، تماما مثلما جرى في اتفاقية تقنية المعلومات والاتصالات، ومثلما يجري حاليا في مفاوضات اتفاقية السلع البيئية.
ومن القضايا الرئيسة التي تقف أمام أعمال المنظمة في هذا المجال ما إذا كان ينبغي اعتبار التجارة الإلكترونية “سلعة” تخضع لحكم الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية (جات) أو “خدمة” تحت حكم الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية في الخدمات، أو رُبما الاثنتين.

