صحيفة الكترونية اردنية شاملة

«جاستا»..صعوبات التقاضي

0

مصير الدعوى القضائية التي تريد عائلات ضحايا 11 سبتمبر رفعها ضد السعودية قد تعتمد على عائلة «باتريدج». فقانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، المعروف اختصاراً بـ«جاستا»، والذي أقره الكونجرس رغماً عن «فيتو» الرئيس أوباما، من المفترض أن يسمح بإقامة الدعوى القضائية، غير أنه حتى تكون لدى المحاكم الفيدرالية السلطة القضائية، سيتيعن على العائلات على الأرجح أن تُثبت أن هجمات 11 سبتمبر كانت «نتائج» لأعمال قامت بها الحكومة السعودية. القضية الرئيسية التي نظرت فيها المحكمة العليا الأميركية وتحكم الأمور التي يمكن اعتبارها «نتائج» كان أحد طرفيها الممثلة شرلي جونز، التي اشتهرت بدور «شرلي بارتريدج» في المسلسل التليفزيوني «عائلة بارتريدج» في السبعينيات. وكانت جونز قد رفعت دعوى قضائية ضد كاتب ومحرر في صحيفة «ذا ناشيونال إنكوايرر» حين كانت تعيش في كاليفورنيا بسبب مقال تشهيري كتب في فلوريدا.

المواضيع القانونية هي أمور تقنية معقدة، ولكنها مهمة لمعرفة ما إذا كان القانون يمثل تهديداً حقيقياً للسعودية أو مجرد عمل رمزي فارغ من قبل الكونجرس. ومن الواضح أن السعوديين يعتقدون أن التهديد حقيقي. ومن جانبه، حاجج الرئيس أوباما أثناء استعماله الفيتو الرئاسي ضد القانون بأن هذا الأخير سيشكّل سابقة سيئة بالنسبة إلى البلدان الأخرى التي تريد السماح برفع قضايا على الحكومة الأميركية. غير أن كل هذا لن يكون مهماً كثيراً إذا كانت ثمة ثغرة قانونية تضمن أن الدعوى القضائية التي يريد أقارب ضحايا 11 سبتمبر رفعها لن تستطيع تحقيق أي تقدم إلى الأمام.

أخشى أن أُفْرط في تبسيط مسائل معقدة حقاً في قانون المحاكمات المدنية، ولكن إليكم المشكلة باختصار: بتمريره مشروع القانون، قام الكونجرس بتعديل قانون يُدعى «قانون الحصانة السيادية» الذي يقول إنه لا يمكن للمرء مقاضاة حكومة أجنبية في المحاكم الأميركية، إلا في حالات قليلة محددة، مثل أن تكون الحكومة الأجنبية منخرطة في تجارة مع الولايات المتحدة.

ثم جاء مشروع قانون الإرهاب ليضيف استثناءً جديداً يقول إنه يمكن لمواطن أميركي مقاضاة حكومة أجنبية بسبب أضرار «وقعت في الولايات المتحدة وتسبّب فيها عمل من أعمال الإرهاب الدولي في الولايات المتحدة، وعمل ضار أو أعمال ضارة قامت بها الدولة الأجنبية… بصرف النظر عن مكان وقوع ذاك العمل أو الأعمال».

بعبارة أوضح، يعني ذلك أن المرء يستطيع مقاضاة حكومة أجنبية عندما يكون العمل الإرهابي قد وقع في الولايات المتحدة، على غرار هجمات 11 سبتمبر مثلاً، شرط أن تكون الحكومة الأجنبية قد أسهمت في التسبب في الهجوم. ووفق هذا القانون، فإنه ليس مهماً أين أسهمت الحكومة الأجنبية في التسبب في الهجوم. ولكن القانون الدستوري الذي يحكم ويحدّد الأشخاص أو الجهات التي يمكنك مقاضاتها وأين، ليس بسيطاً. ولأنه يستند إلى الدستور، فإن الكونجرس لا يستطيع وضع تشريعات حوله. ووفق تفسير المحكمة العليا، فإنه لا بد لأي محكمة أميركية من أن يكون لديها ما تسميه «اختصاصاً قضائياً شخصياً» على أي مدَّعى عليه حتى يتسنى تحريك دعوى قضائية.

والاختصاص القضائي الشخصي يأتي على شكلين، عام ومحدد. غير أنه سيكون من المستحيل تقريباً أن يكون للمحاكم اختصاص قضائي عام على الحكومة السعودية، لأن الكيانات الخارجية يجب أن تكون «في وطنها» حتى يمكن مقاضاتها وفقاً للسابقة التي أمامنا. وقد كان هذا هو السبب الذي دفع محكمة الاستئناف في الدائرة الثانية مؤخراً إلى رفض دعوى قضائية ضد السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطيني بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب. ذلك أنه إذا كانت هذه الكيانات «في وطنها» فقط في رام الله، مثلما قالت المحكمة، فإن الحكومة السعودية «في وطنها» فقط في الرياض.

وهذا ما يجعل من الاختصاص القضائي المحدَّد الطريقَ الوحيد الممكن لمقاضاة السعودية بمقتضى القانون الجديد، والحال أن السقف الدستوري ربما أعلى من القانون الذي وضعه الكونجرس.

ففي قضية «كالدر ضد جونز» في سنة 1984، أو قضية شرلي بارتريدج، قضت المحكمة العليا بأنه بوسع جونز مقاضاة محرر وكاتب صحيفة «ذا ناشيونال إنكوايرر» في كاليفورنيا بسبب مقال كُتب في فلوريدا، ولكنها وجدت أن أعمال الكاتب والمحرر «كانت موجهة بشكل صريح إلى كاليفورنيا»، واعتبرت أن التشهير «كان موجّهاً عن قصد إلى شخص مقيم في كاليفورنيا». ونتيجة لذلك، تقول المحكمة، إنه يمكن مقاضاة الكاتب والمحرر في كاليفورنيا بناءً على «النتائج» التي تركتها الأعمال التي قاما بها في فلوريدا في كاليفورنيا.

ووفق هذه السابقة القضائية، فإنه ربما لن يكون كافياً إظهار أن السعودية دعمت «القاعدة»، وبالتالي، أسهمت بشكل غير مباشر في التسبب في هجمات 11 سبتمبر، إذ سيتعين على العائلات أن تُظهر أن المملكة استهدفت عن قصد التسبب في أذى في نيويورك، أو على الأقل الولايات المتحدة.

وبناءً على ما تقدم، فإذا رُفضت الدعوى القضائية ضد السعودية لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي، فإن القانون قد لن يؤدي إلى الخطر المتمثل في رفع دعاوى قضائية على الولايات المتحدة -في إطار الرد بالمثل- التي يخشاها الكثيرون.

نوح فيلدمان

أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد الأميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.