صحيفة الكترونية اردنية شاملة

من تمويل الطاقة إلى تمويل الثقة: ماذا تقول الأصول الرقمية للبنوك الأردنية؟

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

في الوقت الذي يجتمع فيه صناع القرار المصرفي والمالي والتقني في البحر الميت ضمن مهرجان الأردن للتكنولوجيا المالية، لا ينبغي أن يُختزل الحديث عن البلوك تشين والأصول الرقمية في المدفوعات أو العملات الافتراضية. السؤال الأعمق أمام القطاع المالي الأردني هو: كيف يمكن للتقنية أن تخفض كلفة الثقة في تمويل مشاريع الطاقة، وأن تجعل المشروع الجيد قابلاً للاستثمار والتمويل المستدام بعد أن كان قابلاً للتنفيذ فقط؟

في مشاريع الطاقة المتجددة، لا تكمن القيمة الاقتصادية في الألواح الشمسية أو توربينات الرياح وحدها، بل في الحقوق المرتبطة بها: عقد شراء الطاقة، انتظام الإنتاج، دقة القياس، كفاءة الصيانة، التدفقات النقدية المتوقعة، وقدرة المشروع على الوفاء بالتزاماته تحت الضغط. هذه العناصر هي التي تحدد قرار الائتمان وسعر التمويل، وهي ذاتها التي تستطيع البنية الرقمية المنظمة أن توثقها وتربطها بصورة أكثر شفافية وكفاءة.

وليس هذا النقاش نظرياً في الحالة الأردنية. فبحسب وزارة الطاقة والثروة المعدنية، بلغت الاستطاعة المركبة لمشاريع الطاقة المتجددة على الشبكة نحو 2840 ميجاواط بنهاية عام 2024، منها 2194.8 ميجاواط من الطاقة الشمسية و622 ميجاواط من طاقة الرياح. ووصلت مساهمة المصادر المتجددة إلى نحو 27% من الكهرباء المولدة في المملكة، فيما تجاوزت الاستثمارات المتراكمة في القطاع 2.15 مليار دينار. وهي قاعدة أصول حقيقية ومؤثرة؛ لكن التحدي التالي ليس في إضافة القدرة فقط، بل في رفع قابلية هذه الأصول للتمويل والتجميع والتتبع وإعادة الاستثمار.

وعالمياً، أضافت الطاقة المتجددة 585 جيجاواط من القدرات الجديدة خلال عام 2024، بما يعادل 92.5% من إجمالي التوسع العالمي في قدرات توليد الكهرباء. وهذه الأرقام تعكس تحوّلاً واضحاً: لم تعد المشكلة في ندرة المشروعات الخضراء، بل في وجود أدوات تمويل وحوكمة قادرة على تحويلها إلى أصول استثمارية موثوقة، ذات أثر قابل للقياس وتدفقات نقدية يمكن تقييمها.

من هنا، لا يعني ترميز الأصول تحويل مشروع الطاقة إلى رمز رقمي لمجرد التداول. في تطبيقه الرشيد، يعني بناء تمثيل رقمي لحق مالي واضح وقابل للتنفيذ: حصة في سند أخضر، أو صك، أو تدفق نقدي ناشئ عن عقد طاقة، أو منفعة استثمارية مرتبطة بأصل منتج ومقاس. الفارق جوهري؛ لأن الرمز لا يصنع قيمة جديدة، لكنه يمكن أن يعيد تنظيم طريقة إثبات القيمة ونقلها ومراقبتها وتمويلها.

الفرصة العملية للبنوك ليست في إطلاق منتجات رقمية منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي، بل في تطوير أدوات تمويل تستند إلى الأداء الفعلي للمشروعات. فمحفظة من مشاريع الطاقة الشمسية الصغيرة أو منشآت كفاءة الطاقة، مثلاً، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للتجميع والتمويل عندما تكون عقودها وبيانات إنتاجها وسجلات صيانتها وأثرها البيئي موثقة وقابلة للتحقق. عندها لا يكون الترميز بديلاً عن السندات الخضراء أو التمويل المصرفي، بل طبقة تنظيمية ورقمية تزيد من شفافية الأصل الذي يستند إليه التمويل.

غير أن التقنية وحدها لا تكفي. فكل أصل مرمّز يفتح حزمة جديدة من المخاطر: هل الحق الذي يمثله الرمز محدد قانونياً وقابل للتنفيذ؟ من يملك بيانات الإنتاج ومن يتحقق من صحتها؟ كيف تُحمى المحافظ الرقمية ومفاتيح الحفظ؟ وماذا يحدث عند تعطل النظام أو اختراقه؟ وكيف يُحمى المستثمر إذا بدت السيولة الرقمية أعلى من السيولة الفعلية للأصل الذي يمثله الرمز؟

الأخطر هو الخلط بين شفافية السجل الرقمي وجودة المشروع نفسه. قد تكون البيانات غير قابلة للتعديل بعد تسجيلها، لكن ذلك لا يمنع أن تكون البيانات الأصلية غير دقيقة، أو أن تكون تقديرات الإنتاج متفائلة أكثر من اللازم، أو أن يتعرض المشروع لمخاطر تشغيلية ومناخية تؤثر في تدفقاته النقدية. لذلك ينبغي أن يسبق الترميز نظام تحقق مستقل يشمل القياس والإبلاغ والتحقق، وفحص العقود، واختبارات الضغط، وتقييم المخاطر التشغيلية والسيبرانية والائتمانية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية مع صدور تعليمات البنك المركزي الأردني رقم 6 لسنة 2026، المتعلقة بتنظيم تعامل الجهات الخاضعة لإشرافه وعملائها مع الأصول الافتراضية ومزودي خدماتها. كما أن وجود إطار عمل لإصدار السندات الخضراء منشور من وزارة المالية يوفّر أرضية مؤسسية مهمة للانتقال من الفكرة إلى أدوات تمويل أكثر انضباطاً. الرسالة هنا ليست فتح الباب أمام المخاطر، بل وضع الابتكار ضمن حدود قانونية ومصرفية تحمي المستثمر، وتعزز نزاهة السوق، وتحافظ على الاستقرار المالي.

ومن المهم ألا تستبق التوقعات الواقع. فبنك التسويات الدولية يؤكد أن ترميز الأصول المالية ما يزال محدود النطاق وتجريبياً في معظم الأسواق، وأن التوسع فيه يواجه قضايا تتعلق بالتشريعات والتشغيل والسيولة والترابط بين المنصات. ولذلك، فإن المسار الأكثر نضجاً للأردن يبدأ بمشروعات تجريبية محددة، ترتبط بأصول منتجة وتدفقات نقدية واضحة، وعلى منصات خاضعة للحوكمة والرقابة، قبل الانتقال إلى نطاق أوسع.

المطلوب اليوم ليس ترميز كل أصل، بل اختيار الأصول التي تستحق أن تتحول إلى قيمة رقمية قابلة للاستثمار. وحين يكون عقد الطاقة سليماً، وبيان الإنتاج موثقاً، والأثر البيئي قابلاً للتحقق، والحق المالي واضحاً، تتحول التكنولوجيا من واجهة مبتكرة إلى أداة تخفف المخاطر وتحرر رأس المال لمشاريع الطاقة التي يحتاجها الاقتصاد فعلاً.

التعليقات مغلقة.