المواصفة ليست كلفة.. ماذا تدفع الصناعة الأردنية مقابل عدم المطابقة؟
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
مع دخول مجموعة من المواصفات القياسية الأردنية حيز النفاذ في 25 أيلول، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى تحديثًا فنيًا يخص المصانع والمختبرات والجهات الرقابية. لكن خلف الأرقام والاختبارات الفنية توجد قضية اقتصادية أوسع: كم تكلف الجودة المنشأة الصناعية، وكم يمكن أن تدفع إذا لم تحققها؟
المواصفات التي دخلت حيز النفاذ تفتح أكثر من ملف صناعي في الوقت نفسه. ففي الألمنيوم المشكل وسبائكه تبرز متطلبات مرتبطة بالتركيب الكيميائي والتفاوتات في الشكل والأبعاد؛ وهي عناصر تؤثر في ثبات خصائص المنتج وتقليل العيوب والهدر وإعادة العمل. اقتصاديًا، كل انحراف غير مضبوط في المادة أو الأبعاد قد يتحول من مشكلة فنية صغيرة إلى كلفة إنتاج إضافية.
وفي الأنابيب الخرسانية مسبقة الصب تصبح المسألة مرتبطة بما هو أبعد من المنتج نفسه؛ فهي تدخل في مشروعات البنية التحتية وشبكات الخدمات، ما يجعل جودة التصنيع والالتزام بالمواصفة جزءًا من إدارة مخاطر الأصل طوال عمره التشغيلي. فالخلل الذي يتم تجنبه داخل المصنع قد يكون أقل كلفة بكثير من خلل يظهر بعد التركيب ويتطلب إصلاحًا أو استبدالًا أو يؤدي إلى تعطل الخدمة.
أما المنتجات النسيجية، فتدخل المواصفات من زاوية مختلفة تتعلق بمتطلبات محتوى بعض المواد الكيميائية. وهنا تتقاطع الجودة مع سلامة المنتج والامتثال والوصول إلى الأسواق. بالنسبة للصناعة الموجهة للتصدير، لم تعد جودة المنتج مرتبطة بالمظهر والسعر فقط؛ بل بقدرة المنشأة على إثبات أن المنتج يحقق المتطلبات الفنية والتنظيمية المطلوبة في السوق المستهدف.
وتصبح العلاقة بين المواصفة وإدارة المخاطر أكثر وضوحًا في زجاج أمان المركبات وبطانات المكابح. فاختبارات الخصائص الميكانيكية والبصرية لزجاج الأمان، واختبارات مواد بطانات المكابح، تتعامل مع منتجات يرتبط أداؤها مباشرة بالسلامة. هنا لا تكون كلفة عدم المطابقة مجرد قطعة معيبة؛ فقد تمتد إلى مطالبات ضمان ومسؤولية قانونية وحوادث وسحب منتجات وأضرار بالسمعة.
وهذا يقود إلى مفهوم اقتصادي مهم هو تكلفة الجودة Cost of Quality. فالمنشأة تدفع مقابل الوقاية والفحص والاختبار والتدريب وضبط العمليات، لكنها تدفع أيضًا عند حدوث الفشل. ويمكن النظر إلى المسألة من خلال معادلة مبسطة:
كلفة الجودة = كلفة الوقاية + كلفة التقييم والفحص + كلفة الفشل الداخلي + كلفة الفشل الخارجي.
الفشل الداخلي هو العيب الذي تكتشفه المنشأة قبل وصول المنتج إلى السوق: هدر، إعادة تصنيع أو منتج مرفوض. أما الفشل الخارجي فهو الأخطر؛ لأنه يظهر بعد وصول المنتج إلى العميل، في صورة مرتجعات وشكاوى وضمانات وتعويضات وربما فقدان سوق أو سمعة.
من هنا يجب ألا يُقرأ الامتثال للمواصفات باعتباره كلفة تنظيمية فقط. السؤال المالي الأدق هو: هل إنفاق دينار إضافي على الوقاية والاختبار يوفر عدة دنانير كان يمكن أن تضيع لاحقًا في الهدر وإعادة العمل والمرتجعات وتعطل الإنتاج؟
وهناك بعد ثالث لا يقل أهمية هو التمويل والاستثمار. المنشأة التي تستطيع إثبات استقرار جودة عملياتها، وتتبع حالات عدم المطابقة، وقياس الهدر والمرتجعات والحوادث، تقدم للممول والمستثمر صورة أفضل عن مخاطرها التشغيلية. فالجودة في النهاية ليست منفصلة عن التدفقات النقدية؛ وكل عيب أو توقف أو مرتجع له أثر يمكن أن يظهر في الكلفة والهامش والسيولة.
كما أن المواصفة ترتبط مباشرة بالقدرة التصديرية. المنتج الذي يريد دخول سوق خارجي لا ينافس بالسعر وحده؛ بل بقدرته على إثبات المطابقة والاستمرارية في الجودة والتتبع. ولذلك فإن الاستثمار في المختبرات والتوثيق والتدريب وأنظمة الجودة يمكن أن يتحول من بند مصروفات إلى أصل تنافسي يفتح أسواقًا ويخفض المخاطر.
وهنا يمكن للصناعة الأردنية أن تنتقل خطوة إضافية: إدخال مخاطر عدم المطابقة رسميًا ضمن سجل المخاطر المؤسسية، وربطها بمؤشرات أداء ومخاطر واضحة؛ مثل نسبة المنتجات المرفوضة، كلفة الهدر، ساعات إعادة العمل، المرتجعات، مطالبات الضمان، شكاوى العملاء، توقف خطوط الإنتاج وحالات عدم المطابقة المتكررة.
المواصفات التي دخلت حيز النفاذ في 25 أيلول ليست متشابهة؛ بعضها يمس مواد البناء، وبعضها الصناعة التحويلية، وبعضها المنتجات النسيجية وسلامة المركبات. لكن الرسالة الاقتصادية التي تجمعها واحدة:
الجودة ليست ما تدفعه المنشأة للحصول على المطابقة؛ بل ما توفره عندما تمنع الخطأ قبل أن يتحول إلى خسارة.
وفي اقتصاد يسعى إلى رفع تنافسية الصناعة وزيادة الصادرات وجذب الاستثمار، تصبح المواصفة أكثر من نص فني؛ إنها أداة لإدارة المخاطر، وقياس الكفاءة، وبناء الثقة بالمنتج الأردني



التعليقات مغلقة.